(2) قوله «لا يؤدى عنه الا رجل منه» أي عوضا منه و بدلا عنه، حيث لم يؤد بنفسه فلا ينافى قوله في بعض الموارد: «فليبلغ الشاهد الغائب» بعد الأداء و التبليغ بنفسه الشريفة.
و ذلك لان ملاك الفرق الجماعة المؤدى اليهم ذلك الحكم، فان كان متعلقا بالعموم فقرأ على الحاضرين آية الحكم أو بينه لهم فقد خرج عن عهدة التبليغ المتوجه إليه الموظف به، و أمّا قوله بعد الأداء «فليبلغ الشاهد الغائب» فارشاد للمسلمين حيث ان سؤال الغائب بعد الحضور وظيفة للغائب، و لا يجب على النبيّ (صلى الله عليه و آله) بعد تبليغه علنا أن يحضر عند كل أحد و يبلغه الحكم و انما عليهم أن يحضروا عنده أو يتفحصوا بعد الحضور.
و أمّا ان كان الحكم متعلقا بجماعة خاصّة غير حاضرين- كالمشركين الذين عاهدهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) في المسجد الحرام، أو سائر المشركين الذين كان محشرهم و مجمعهم الى مكّة- وجب على الرسول أن يرحل اليهم بنفسه لاداء وظيفته و هو التبليغ، أو يرسل اليهم من هو منه بمنزلة هارون من موسى حيث كان شريكه في أمره و وزيره في تبليغ الاحكام يشد أزره و كان منه بحيث عبر اللّه عنهما معا بقوله «اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى». و لذلك أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) آيات البراءة من أبى بكر و أرسلها مع عليّ (عليه السلام)، فان التبليغ في المرحلة الأولى وظيفة عليه و على من أجاز اللّه له ذلك و رضى بوزارته و نيابته، و أمّا بعد ذلك فالتبليغ وظيفة عقلانية لكل أحد اطلع على ذلك، كالمشركين الذين حضروا الحجّ الأكبر، و بعد ما علموا ببراءة اللّه و رسوله عن المشركين توجهوا الى أقوامهم و أنذروهم ذلك.