محمد بن يعقوب الكليني · الأصول من الكافي الجزء الاول 1 · صفحة 328 من 480
صفحة
[صفحة 328] (1) قد مر الخبر في الباب المتقدم ص: 328 - 329. [*]
الصفحة 333
ولا يحل لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه.
2 - علي بن محمد، عن أبي عبدالله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتهم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلوا عليه.
3 - عدة من أصحابنا، عن جعفر بن محمد، عن ابن فضال، عن الريان بن الصلت قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول - وسئل عن القائم - فقال: لا يرى جسمه، ولا يسمى اسمه.
4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: صاحب هذا الامر لا يسميه باسمه إلا كافر.
(باب نادر في حال الغيبة)
1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن خالد، عمن حدثه، عن المفضل ابن عمر، ومحمد بن يحيى، عن عبدالله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن بعض أصحابه عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله عزوجل ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صاحبا ومساء، فإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته ولم يظهر لهم، وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما غيب حجته عنهم طرفه عين، ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس.
2 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن مرداس، عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال:
قلت لابي عبدالله (عليه السلام): أيما أفضل: العبادة في السر مع الامام منكم المستتر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحق ودولته، مع الامام منكم الظاهر؟ فقال يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع إمامكم
الصفحة 334
المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزوجل ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والامن في دولة الحق واعلموا أن من صلى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة، مستتر بها من عوده في وقتها فأتمها، كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة، ومن صلى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عوده في وقتها فأتمها، كتب الله عزوجل بها له خمسا وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها، كتب الله له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة، كتب الله عزوجل له بها عشرين حسنة ويضاعف الله عزوجل حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان بالتقية على دينه وإمامه و نفسه، وأمسك من لسانه أضعافا مضاعفة إن الله عزوجل كريم.
قلت: جعلت فداك قد والله رغبتني في العمل، وحثثتني عليه، ولكن احب أن اعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل اعمالا من أصحاب الامام الظاهر منكم في دولة الحق ونحن على دين واحد؟ فقال: إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عز وجل وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل خير وفقه وإلى عبادة الله عز ذكره سرا من عدوكم مع إمامكم المستتر، مطيعين له، صابرين معه، منتظرين لدولة الحق خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة، تنتظرون إلى حق إمامكم وحقوقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك، واضطروكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف مع عدوكم، فبذلك ضاعف الله عزوجل لكم الاعمال، فهنيئا لكم.
قلت: جعلت فداك فما ترى إذا أن نكون من اصحاب القائم ويظهر الحق و نحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أصحاب دولة الحق والعدل؟ فقال:
سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله تبارك وتعالى الحق والعدل في البلاد ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله بين قلوب مختلفة، ولا يعصون الله عزوجل في أرضه، وتقام حدوده في خلقه، ويرد الله الحق إلى أهله فيظهر، حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق، أما والله يا عمار لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها
الصفحة 335
إلا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر واحد فابشروا.
3 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، بن محبوب، عن أبي اسامة، عن هشام، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة عن أبي إسحاق قال: حدثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنهم سمعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في خطبة له: اللهم وإني لاعلم أن العلم لا يأزر كله، ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حججك ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم وكم؟ اولئك الاقلون عددا، والاعظمون عند الله جل ذكره قدرا، المتبعون لقادة الدين: الائمة الهادين، الذين يتأدبون بآدابهم، وينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الايمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم، ويأنسون بما استوحش منه المكذبون، وأباه المسرفون اولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقية عن دينهم والخوف من عدوهم، فأرواحهم معلقة بالمحل الاعلى، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت (1) في دولة الباطل، منتظرون لدولة الحق وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل، ها، ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، وياشوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
(باب في الغيبة)
1 - محمد بن يحيى والحسن بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن الحسن ابن محمد الصيرفي، عن صالح بن خالد، عن يمان التمار قال: كنا عند أبي عبدالله (عليه السلام) جلوسا فقال لنا: إن لصاحب هذا الامر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثم قال هكذا بيده - (2) فأيكم يمسك شوك القتاد بيده؟ ثم أطرق مليا، ثم قال: إن
____________
(1) اى لا يقدرون على التكلم بالحق واعلاء كلمته في دولة الباطل (لح).
(2) اى اشار بيده، والخارط من يضرب بيده على اعلى الغصن ثم يمدها إلى الاسفل ليسقط ورقه والقتاد شجر له شوك. [*]
الصفحة 336
لصاحب هذا الامر غيبة فليتق الله عبد وليتمسك بدينه.
2 - علي بن محمد، عن الحسن بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه عن جده، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم (1) لا يزيلكم عنها أحد، يا بني إنه لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة حتى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به، إنما هو محنة من الله عزوجل امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا لاتبعوه قال: فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني! عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه.
3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن المساور عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إياكم والتنويه (2) أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم ولتمحصن حتى يقال: مات قتل، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن (3) كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي، قال: فبكيت ثم قلت: فكيف نصنع؟
فنظر إلى شمس داخلة في الصفة فقال: يا أبا عبدالله ترى هذه الشمس قلت نعم، فقال: والله لامرنا أبين من هذه الشمس.
4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن في صاحب هذا الامر شبها من يوسف (عليه السلام)، قال قلت له: كأنك تذكره حياته أو غيبته؟ قال:
فقال لي: وما تنكر من ذلك، هذه الامة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف (عليه السلام) كانوا أسباطا أولاد الانبياء تاجروا يوسف، وبايعوه وخاطبوه، وهم إخوته، وهو أخوهم،
____________
(1) ضمير الجمع باعتبار تعدد المخاطبين.
(2) التنويه: الرفع والتشهير. (آت)
(3) على بناء المجهول من المخاطب او الغائب من قولهم: كفأت الاناء إذا كببته. كناية عن اضطرابهم وتذللهم في الدين لشدة الفتن. (آت) [*]
الصفحة 337
فلم يعرفوه حتى قال: أنا يوسف وهذا أخي، فما تنكر هذه الامة المعلونة أن يفعل الله عزوجل بحجته في وقت من الاوقات كما فعل بيوسف، إن يوسف (عليه السلام) كان إليه ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد ان يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب (عليه السلام) وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الامة أن يفعل الله عزوجل بحجته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف، قالوا: " أئنك لانت يوسف؟ قال: أنا يوسف ".
5 - علي بن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن عبدالله بن موسى عن عبدالله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن للغلام غيبة قبل ان يقوم، قال: قلت ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثم قال:
يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف ومنهم من يقول: حمل (1) ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أن الله عزوجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة،
[قال: قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شي ء اعمل؟ قال: يا زرارة]
إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء " اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني " ثم قال: يا زرارة لابد من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا ولكن يقتله جيش آل بني فلان (2) يجيئ حتى يدخل المدينة، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لا يمهلون، فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله.
6 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن يحيى بن المثنى عن عبدالله بن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: يفقد
____________
(1) اى مات ابوه وهو حمل
(2) في بعض النسخ [آل ابى فلان]. [*]
الصفحة 338
الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه.
7 - علي بن محمد، عن عبدالله بن محمد بن خالد قال: حدثني منذر بن محمد بن قابوس، عن منصور بن السندي، عن أبي داود المسترق، عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الحارث بن المغيرة، عن الاصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته متفكرا ينكت في الارض، فقلت، يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكرا تنكت في الارض، أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين! وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين، فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق وأنى لك بهذا الامر يا أصبغ اولئك خيار هذه الامة مع خيار أبرار هذه العتره، فقلت: ثم ما يكون بعد ذلك فقال: ثم يفعل الله ما يشاء فإن له بداء ات وإرادات وغايات ونهايات.
8 - عي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما نحن كنجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم، حتى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم، غيب الله عنكم نجمكم، فاستوت بنو عبدالمطلب، فلم يعرف أي من أي، فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم.
9 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن معاوية، عن عبدالله بن جبلة، عن عبدالله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل.
10 - على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن بلغكم عن صاحب هذا الامر غيبة فلا تنكروها.
11 - الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن معاوية عن عبدالله بن جبلة، عن إبراهيم بن خلف بن عباد الانماطي، عن مفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) وعنده في البيت أناس فظننت أنه إنما أراد بذلك غيري، فقال: أما والله
الصفحة 339
ليغيبن عنكم صاحب هذا الامر وليخملن هذا حتى يقال: مات، هلك، في أي واد سلك؟
ولتكفأن كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الايمان في قلبه، وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي، قال:
فبكيت، فقال: ما يبكيك يا ابا عبدالله؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا ابكي وأنت تقول:
اثنتا عشرة راية مشتبة لا يدري أي من أي!؟ قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس فقال: أبينة هذه؟ فقلت: نعم، قال: أمرنا أبين من هذ الشمس.
12 - الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الانباري، عن يحيى بن المثنى، عن عبدالله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه.
13 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن ابي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ممن يوثق به أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تكلم بهذا الكلام وحفظ عنه وخطب به على منبر الكوفة: اللهم إنه لا بد لك من حجج في أرضك، حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلمونهم علمك كيلا يتفرق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مكتتم يترقب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون.
ويقول (عليه السلام) في هذه الخطبة في موضع آخر: فيمن هذا؟ ولهذا يأزر العلم إذا لم يوجد له حملة يحفظونه ويروونه، كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه، اللهم فإني لاعلم أن العلم لا يأزر كله ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور (1) كيلا تبطل حجتك (2) ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم بل أين هم؟ وكم هم؟ اولئك الاقلون عددا، الاعظمون عند الله قدرا.
14 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم بن معاوية البجلي
____________
(1) في بعض النسخ [مغمود].
(2) في بعض النسخ [حججك]. [*]
الصفحة 340
عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (1) " قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بامام جديد.
15 - عده من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن بلغكم من عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها.
16 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لابد لصاحب هذا الامر من غيبة ولابد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة (2) وما بثلاثين من وحشة.
17 - وبهذا الاسناد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن (3) عن أبان بن تغلب قال: قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين، فيأرز العلم كما تأرز الحية في جحرها، واختلفت الشيعة وسمى بعضه بعضا كذابين، وتفل بعضهم في وجوه بعض؟ قلت: جعلت فداك ما عند ذلك من خير، فقال لي: الخير كله عند ذلك، ثلاثا.
18 - وبهذا الاسناد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمد بن عيسى، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل.
19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والاخرى طويلة، الغيبة الاولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه.
20 - محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن الحسن بن علي الكوفي، عن علي بن حسان، عن عمه عبدالرحمن بن كثير، عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لصاحب هذا الامر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله والاخرى يقال:
هلك، في أي واد سلك، قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله.
____________
(1) الملك: 30.
(2) اى المدينة. Fnote
(3) في بعض النسخ [على بن الحسين] وهو مجهول (آت) [*]
الصفحة 341
21 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن جعفر بن القاسم، عن محمد بن الوليد الخزاز، عن الوليد بن عقبة، عن الحارث بن زياد، عن شعيب، عن أبي حمزة قال دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت له: أنت صاحب هذا الامر؟ فقال: لا، فقلت:
فولدك؟ فقال: لا، فقلت: فولد ولدك هو؟ قال: لا، فقلت: فولد ولد ولدك؟
فقال: لا، قلت: من هو؟ قال: الذي يملاها عدلا كما ملئت ظلما وجورا، على فترة من الائمة، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث على فترة من الرسل.
22 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد عن موسى بن جعفر البغدادي، عن وهب بن شاذان، عن الحسن بن أبي الربيع، عن محمد بن إسحاق، عن ام هانئ قالت:
سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، عن قول الله تعالى: " فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس (1) قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين، ثم يظهر كالشهاب يتوقد في الليلة الظلماء، فإن أدركت زمانه قرت عينك.
23 - عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن الحسن، عن عمر ابن يزيد، عن الحسن بن الربيع الهمداني قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن اسيد ابن ثعلبة، عن ام هانئ قالت: لقيت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) فسألته عن هذه الآية " فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس " قال: الخنس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين، ثم يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرت عينك.
24 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أيوب بن نوح، عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) قال: إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم.
25 - عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبدالله، عن أيوب بن نوح قال:
قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): إني أرجو أن تكون صاحب هذا الامر، وأن يسوقه الله إليك بغير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك، فقال: ما منا أحد اختلفت إليه الكتب، واشير إليه بالاصابع، وسئل عن المسائل، وحملت إليه الاموال، إلا اغتيل (2) أو مات على فراشه، حتى يبعث الله لهذا الامر غلاما منا،
____________
(1) التكوير: 16 و 17.
(2) غاله اى ادركه، اغتاله: اى اخذه من حيث لم يدر. [*]
الصفحة 342
خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه.
26 - الحسين بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن علي بن العباس بن عامر عن موسى بن هلال الكندي، عن عبدالله بن عطاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له:
إن شيعتك بالعراق كثيرة والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ قال: فقال يا عبدالله بن عطاء قد أخذت تفرش اذنيك للنوكى (1) إي والله ما أنا بصاحبكم، قال: قلت له: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من عمي على الناس ولادته، فذاك صاحبكم إنه ليس منا أحد يشار إليه بالاصبع ويمضغ بالالسن (2) إلا مات غيظا أو رغم أنفه.
27 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: يقوم القائم وليس لاحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة.
28 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن علي العطار، عن جعفر بن محمد، عن منصور، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
قلت: إذا أصبحت وأمسيت لا أرى إماما أئتم به ما أصنع؟ قال: فأحب من كنت تحب وابغض من كنت تبغض، حتى يظهره الله عز وجل.
9 2 - الحسين بن أحمد، عن أحمد بن هلال قال: حدثنا عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام)، لابد للغلام من غيبة، قلت: ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلف ومنهم من يقول: ولد قبل موت أبيه بسنتين قال زرارة: فقلت: وما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان؟ قال: ادع الله بهذا الدعاء: " اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك، فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرفه قط، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني " قال أحمد بن الهلال: سمعت هذا الحديث منذ ست وخمسين سنة.
____________
(1) اى شرعت تفتح وتبسط اذنيك للحمقى تسمع منهم
(2) كناية عن كثرة ذكره في المجالس. [*]
الصفحة 343
30 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي، عن عبدالله بن القاسم عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " فإذا نقر في الناقور (1) " قال: إن منا إماما مظفرا مستطرا، فإذا أراد الله عز ذكره إظهار أمره، نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر الله تبارك وتعالى.
31 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن عبدالله عن محمد بن الفرج قال: كتب إلي أبوجعفر (عليه السلام) إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم.
(باب)
* (ما يضل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة) *
1 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبن محبوب، عن سلام بن عبدالله ومحمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، وأبوعلي الاشعري، عن محمد بن حسان جميعا عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط، عن سلام بن عبدالله الهاشمي، قال محمد بن علي: وقد سمعته منه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: بعث طلحة والزبير رجلا من عبدالقيس يقال له: خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقالا له:
إنا نبعثك إلى رجل طال ما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانه، وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك، وأن تحاجه لنا حتى تقفه على أمر معلوم، واعلم أنه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه، ومن الابواب التي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدهن وأن يخالي الرجل، فلا تأكل له طعاما، ولا تشرب له شرابا، ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كله منه، وانطلق على بركة الله، فإذا رأيته فاقرأ آيه السخرة، وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان. فإذا جلست إليه فلا تمكنه من بصرك كله ولا تستأنس به.
ثم قل له: إن أخويك في الدين وابني عمك في القرابة يناشدانك القطيعة، ويقولان لك: أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) فلما نلت أدنى منال، ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا، ثم قد رأيت أفعالنا
____________
(1) المدثر: 8. [*]
الصفحة 344
فيك وقدرتنا على النأي عنك (1)، وسعة البلاد دونك، وإن من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقل لك نفعا وأضعف عنك دفعا منا، وقد وضح الصبح لذي عينين، وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا، فما الذي يحملك على ذلك؟! فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب، أتتخذ اللعن لنا دينا، وترى أن ذلك يكسرنا عنك.
فلما أتى خداش أمير المؤمنين (عليه السلام) صنع ما أمراه، فلما نظر إليه علي (عليه السلام) - وهو يناجي نفسه - ضحك وقال: ههنا يا أخا عبد قيس - وأشار له إلى مجلس قريب منه - فقال: ما أوسع المكان، اريد أن أؤدي إليك رسالة، قال: بل تطعم وتشرب وتحل ثيابك وتدهن ثم تؤدي رسالتك قم يا قنبر فأنزله، قال: ما بي إلى شئ مما ذكرت حاجة، قال: فأخلو بك؟ قال: كل سر لي علانية، قال: فأنشدك بالله الذي هو أقرب إليك من نفسك، الحائل بينك وبين قلبك، الذي بعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، أتقدم إليك الزبير بما عرضت عليك؟ قال: اللهم نعم، قال:
لو كتمت بعد ما سألتك ما ارتد إليك طرفك، فانشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني؟ قال: اللهم نعم، قال علي (عليه السلام): آية السخرة؟ قال نعم، قال:
فاقرأها وجعل علي (عليه السلام) يكررها ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتى إذا قرأها سبعين مرة قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرة ثم قال له: أتجد قلبك اطمأن قال إي: - والذي نفسي بيده - قال: فما قالا لك؟
فأخبره، فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجة عليكما، ولكن الله لا يهدي القوم الظالمين، زعمتما أنكما أخواي في الدين وابنا عمي في النسب فأما النسب فلا انكره وإن كان النسب مقطوعا إلا ما وصله الله بالاسلام، وأما قولكما: إنكما أخواي في الدين، فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزوجل، وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين، وإلا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنكما أخواي في الدين وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمدا (صلى الله عليه وآله) فإن كنتما فارقتماهم بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا، وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما، مع أن صفقتكما بمفارقتكما الناس لم تكن
الصفحة 345
إلا لطمع الدنيا، زعمتما وذلك قولكما: " فقطعت رجاء نا " لا تعيبان بحمد الله من ديني شيئا وأما الذي صرفني عن صلتكما، فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه وهو الله ربي لا اشرك به شيئا فلا تقولا: " أقل نفعا وأضعف دفعا " فتستحقا اسم الشرك مع النفاق، وأما قولكما: إني أشجع فرسان العرب، وهربكما من لعني ودعائي، فإن لكل موقف عملا إذا اختلفت الاسنة و ماجت لبود الخيل وملا سحرا كما أجوافكما، فثم يكفيني الله بكمال القلب، وأما إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما، اللهم أقعص الزبير بشر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك، إن كانا ظلماني وافتريا علي وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك في، قل: آمين، قال خداش: آمين.
ثم قال خداش لنفسه: والله ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك، حامل حجة ينقض بعضها بعضا لم يجعل الله لها مساكا، أنا أبرأ إلى الله منهما، قال علي (عليه السلام): ارجع إليهما وأعلمها ما قلت، قال: لا والله حتى تسأل الله أن يردني إليك عاجلا وأن يوفقني لرضاه فيك، ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله.
2 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، وأبوعلي الاشعري، عن محمد ابن حسان جميعا، عن محمد بن علي، عن نصر بن مزاحم، عن عمر وبن سعيد، عن جراح بن عبدالله، عن رافع بن سلمة قال: كنت مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم النهروان فبينا علي (عليه السلام) جالس إذ جاء فارس فقال: السلام عليك يا علي فقال له علي (عليه السلام):
وعليك السلام مالك ثكلتك امك - لم تسلم علي بإمرة المؤمنين؟ قال: بلى ساخبرك عن ذلك كنت إذ كنت على الحق بصفين فلما حكمت الحكمين برئت منك وسميتك مشركا، فأصبحت لا أدري إلى أين أصرف ولايتي، والله لان أعرف هداك من ضلالتك أحب إلى من الدنيا وما فيها فقال له: علي (عليه السلام): ثكلتك أمك قف مني قريبا اريك علامات الهدى من علامات الضلالة، فوقف الرجل قريبا منه فبينما هو كذلك إذ أقبل فارس يركض حتى أتى عليا (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالفتح أقر الله عينك، قد والله
الصفحة 346
قتل القوم أجمعون، فقال له: من دون النهر أو من خلفه؟ قال: بل من دونه، فقال: كذبت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يعبرون أبدا حتى يقتلوا، فقال الرجل: فازددت فيه بصيرة، فجاء آخر يركض على فرس له فقال له مثل ذلك فرد عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل الذي رد على صاحبه، قال الرجل الشاك: وهممت أن أحمل على علي (عليه السلام) فأفلق هامته بالسيف ثم جاء فارسان يركضان قد أعرقا فرسيهما فقالا: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين ابشر بالفتح قد والله قتل القوم أجمعون، فقال علي (عليه السلام): أمن خلف النهر أو من دونه؟ قالا: لا بل خلفه، إنهم لما اقتحموا خيلهم النهروان وضرب الماء لبات خيولهم رجعوا فاصيبوا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدقتما، فنزل الرجل عن فرسه فأخذ بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) وبرجله فقبلهما، فقال علي (عليه السلام): هذه لك آية.
3 - علي بن محمد، عن أبي علي محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن القاسم العجلي، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد، عن محمد بن خداهي، عن عبدالله بن أيوب، عن عبدالله بن هاشم، عن عبدالكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمار ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان؟ قال: فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا فلم أر ناطقا أحسن نطقا منه، ثم أتبعته فلم أزل أقفو أثره حتى قعد في رحبة المسجد فقلت: له يا أمير المؤمنين ما دلالة الامامة يرحمك الله: قالت: فقال ائتيني بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه، ثم قال لي: يا حبابة! إذا ادعى مدع الامامة، فقدر أن يطبع كما رأيت فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والامام لا يعزب عنه شئ يريده، قالت ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) فجئت إلى الحسن (عليه السلام) وهو في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) والناس يسألونه فقال: يا حبابة الوالبية فقلت: نعم يامولاي فقال: هاتي ما معك قال: فأعطيته فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين (عليه السلام)، قالت: ثم أتيت الحسين (عليه السلام) وهو في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرب ورحب، ثم: قال لي: إن
الصفحة 347
في الدلالة دليلا على ما تريدين، أفتريدين دلالة الامامة؟ فقلت: نعم يا سيدي، فقال:
هاتي ما معك، فناولته الحصاة فطبع لي فيها، قالت: ثم أتيت علي بن الحسين (عليهما السلام) وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعد يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعا وساجدا و مشغولا بالعبادة فيئست من الدلالة، فأومأ إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي، قالت: فقلت:
يا سيدي كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ فقال: أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا، قالت:
ثم قال لي: هاتي ما معك فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا جعفر (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا عبدالله (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثم أتيت الرضا (عليه السلام) فطبع لي فيها.
وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكر محمد بن هشام.
4 - محمد بن أبي عبدالله وعلي بن محمد، عن إسحاق بن محمد النخعي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد (عليه السلام) فاستؤذن لرجل من أهل اليمن عليه، فدخل رجل عبل، طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول وأمره بالجلوس، فجلس ملاصقا لي، فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا؟ فقال أبومحمد (عليه السلام):
هذا من ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آبائي (عليهم السلام) فيها بخواتيمهم فانطبعت وقد جاء بها معه يريد أن أطبع فيها، ثم قال: هاتها فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فأخذها أبومحمد (عليه السلام) ثم أخرج خاتمة فطبع فيها فانطبع فكأني أرى نقش خاتمة الساعة " الحسن بن علي " فقلت لليماني: رأيته قبل هذا قط؟ قال: لا والله وإني لمنذ دهر حريص على رؤيته حتى كأن الساعة أتاني شاب لست أراه فقال لي: قم فادخل، فدخلت ثم نهض اليماني وهو يقول رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، ذرية بعضها من بعض اشهد بالله أن حقك لواجب كوجوب حق أمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين ثم مضى فلم أره بعد ذلك، قال إسحاق: قال أبوهاشم الجعفري: وسألته عن اسمه فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم وهي الاعرابية اليمانية، صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) والسبط إلى وقت أبي الحسن (عليه السلام)
الصفحة 348
5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة وزرارة جميعا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قتل الحسين (عليه السلام) أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفع الوصية والامامة من بعده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم إلى الحسن (عليه السلام)، ثم إلى الحسين (عليه السلام) وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلي على روحه ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي (عليه السلام) في سني وقديمي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصية والامامة ولا تحاجني، فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): يا عم اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندي، فلا تتعرض لهذا، فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله عزوجل جعل الوصية والامامة في عقب الحسين (عليه السلام) فإذا اردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الاسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك قال أبوجعفر (عليه السلام): وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الاسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ابدأ أنت فابتهل إلى الله عزوجل وسله أن ينطق لك الحجر ثم سل، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): يا عم لو كنت وصيا وإماما لاجابك، قال له محمد: فادع الله أنت يا ابن أخي وسله، فدعا الله علي بن الحسين (عليهما السلام) بما أراد ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الانبياء وميثاق الاوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا من الوصي و الامام بعد الحسين بن علي (عليه السلام)؟ قال: فتحرك الحجر حتى كاد ان يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله عزوجل بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والامامة بعد الحسين ابن علي (عليهما السلام) إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فانصرف محمد بن علي وهو يتولى علي بن الحسين (عليه السلام).
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
6 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد عن محمد بن علي قال: أخبرني سماعة بن
الصفحة 349
مهران قال: أخبرني الكلبي النسابة قال: دخلت المدينة ولست أعرف شيئا من هذا الامر فأتيت المسجد فإذا جماعة من قريش فقلت: أخبروني عن عالم أهل هذا البيت؟
فقالوا: عبدالله بن الحسن، فأتيت منزله فاستأذنت، فخرج إلي رجل ظننت أنه غلام له، فقلت له: استأذن لي على مولاك فدخل ثم خرج فقال لي: ادخل فدخلت فإذا أنا بشيخ معتكف شديد الاجتهاد، فسلمت عليه فقال لي: من أنت؟ فقلت:
أنا الكلبي النسابة، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: جئت إسألك، فقال: أمررت بابني محمد؟ قلت: بدأت بك: فقال: سل، فقلت: أخبرني عن رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال: تبنى برأس الجوزاء (1) والباقي وزر عليه وعقوبة، فقلت في نفسي: واحدة، فقلت: ما يقول الشيخ في المسح على الخفين؟ فقال: قد مسح قوم صالحون ونحن أهل البيت لا نمسح، فقلت في نفسي: ثنتان، فقلت: ما تقول في أكل الجري أحلال هو أم حرام؟ فقال: حلال إلا أنا أهل البيت نعافه فقلت في نفسي: ثلاث، فقلت: فما تقول في شرب النبيذ؟ فقال: حلال إلا أنا أهل البيت لا نشربه، فقمت فخرجت من عنده وأنا أقول: هذه العصابة تكذب على أهل هذا البيت.
فدخلت المسجد فنظرت إلى جماعة من قريش وغيرهم من الناس فسلمت عليهم ثم قلت لهم: من أعلم أهل هذا البيت؟ فقالوا: عبدالله بن الحسن، فقلت: قد أتيته فلم أجد عنده شيئا فرفع رجل من القوم رأسه فقال: ائت جعفر بن محمد (عليهما السلام) فهو أعلم أهل هذا البيت، فلامه بعض من كان بالحضرة - فقلت (2): إن القوم إنما منعهم من إرشادي إليه أول مرة الحسد - فقلت له: ويحك إياه أردت، فمضيت حتى صرت إلى منزله فقرعت الباب، فخرج غلام له فقال: ادخل يا أخا كلب فوالله لقد أدهشني فدخلت وأنا مضطرب ونظرت فإذا شيخ على مصلى بلا مرفقة (3) ولا بردعة، فابتدأني بعد أن سملت عليه، فقال لي: من أنت؟ فقلت في نفسي: يا سبحان الله! غلامه يقول لي بالباب: ادخل يا أخا كلب ويسألني المولى من أنت؟! فقلت له: أنا الكلبي
____________
(1) يعنى بعدده، اراد انه يقع به ثلاث طلقات لان كل رأس من رأسى الجوزاء ثلاثة كواكب. (في)
(2) في بعض النسخ [فعلمت أن]
(3) المرفقة بالكسر المخدة، والبردعة ما يقال له بالفارسية: بلاس [*]
الصفحة 350
النسابة، فضرب بيده على جبهته وقال: كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا، يا أخال كلب إن الله عزوجل يقول: " وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (1) " أفتنسبها أنت؟ فقلت: لا جعلت فداك، فقال لي:
أفتنسب نفسك؟ قلت: نعم أنا فلان بن فلان بن فلان حتى أرتفعت فقال لي: قف ليس حيث تذهب، ويحك أتدري من فلان بن فلان؟ قلت: نعم فلان بن فلان، قال: إن فلان ابن فلان بن فلان الراعي الكردي إنما كان فلان الراعي الكردي على جبل آل فلان فنزل إلى فلانة امرأة فلان من جبله الذي كان يرعى غنمه عليه، فأطعمها شيئا وغشيها فولدت فلانا، وفلان بن فلان من فلانة وفلان بن فلان، ثم قال: أتعرف هذه الاسامي؟ قلت: لا والله جعلت فداك فإن رأيت أن تكف عن هذا فعلت؟ فقال: إنما قلت فقلت، فقلت: إني لا أعود، قال: لا نعود إذا واسأل عما جئت له، فقلت له:
أخبرني عن رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال: ويحك أما تقرأ سورة الطلاق؟ قلت: بلى، قال: فاقرأ فقرأت: " فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة " قال: أترى ههنا نجوم السماء؟ قلت: لا قلت: فرجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا؟ قال: ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: لا طلاق إلا على طهر، من غير جماع بشاهدين مقبولين، فقلت في نفسي: واحدة، ثم قال: سل، قلت:
ما تقول في المسح على الخفين؟ فتبسم ثم قال، إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم؟ فقلت
في نفسي: ثنتان، ثم التفت إلي فقال: سل فقلت: أخبرني عن أكل الجري؟ فقال: إن الله عزوجل مسخ طائفة من بني إسرائيل فما أخذ منهم بحرا فهو الجري والمارماهي و الزمار وما سوى ذلك وما أخذ منهم برا فالقردة والخنازير والوبر والورك (2) وما سوى ذلك فقلت في نفسي: ثلاث، ثم التفت إلى فقال: سل وقم، فقلت: ما تقول في النبيذ؟
فقال: حلال، فقلت: إنا ننبذ فنطرح فيه العكر (3) وما سوى ذلك ونشربه؟ فقال:
شه شه (4) تلك الخمرة المنتنة، فقلت: جعلت فداك فاي نبيذ تعني؟ فقال: إن أهل
____________
(1) الفرقان: 38.
(2) الوبر دويبة كالسنور، والورك متحركة دابة كالضب او العظيم من اشكال الوزغ طويل الذنب صغير الرأس (في)
(3) العكر الدردى من كل شئ، أراد به (هنا دردى النبيذ (في)
(4) كلمة تقبيح واستقذار. (آت) [*]
الصفحة 351
المدينة شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغيير الماء وفساد طبايعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من التمر فيقذف به في الشن (1) فمنه شربه ومنه طهوره، فقلت: وكم كان عدد التمر الذي [كان] في الكف؟ فقال:
ما حمل الكف، فقلت: واحدة وثنتان؟ فقال: ربما كانت واحدة وربما كانت ثنتين فقلت: وكم كان يسع الشن؟ فقال: مابين الاربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك فقلت: بالارطال؟ فقال: نعم أرطال بمكيال العراق، قال سماعة: قال الكلبي:
ثم نهض (عليه السلام) وقمت فخرجت وأنا أضرب بيدي على الاخرى وأنا أقول: إن كان شئ فهذا، فلم يزل الكلبي يدين الله بحب آل هذا البيت حتى مات.
7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفات أبي عبدالله (عليه السلام) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبدالله بن جعفر انه صاحب الامر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك أنهم رووا عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: إن الامر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ فقال: في مائتين خمسة، فقلنا: ففي مائة؟ فقال: درهمان ونصف فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا، قال: فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضلالا لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الاحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجه ولا من نقصد؟ ونقول: إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة؟
إلى الخوارج؟ فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا لا أعرفه، يومي إلي بيده فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (عليه السلام) عليه، فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم فقلت للاحول: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني لا يريدك، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحى غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك أني ظننت
____________
الشن: القربة من الجلد المدبوغ. [*]
الصفحة 352
أني لا اقدر على التخلص منه فما زلت أتبعه وقد عزمت على الموت حتى ورد بي على باب ابي الحسن (عليه السلام) ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبوالحسن موسى (عليه السلام) فقال لي أبتداء منه: لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إلي إلي فقلت جعلت فداك مضى أبوك؟ قال: نعم، قلت: مضى موتا؟ قال: نعم، قلت: فمن لنا من بعده؟ فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت جعلت فداك إن عبدالله يزعم أنه من بعد أبيه، قال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله، قال: قلت: جعلت فداك فمن لنا من بعده؟ قال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو؟ قال لا، ما أقول ذلك، قال: فقلت في نفسي لم اصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟ قال: لا فداخلني شئ لا يعلم إلا الله عزوجل إعظاما له وهيبة أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، ثم قلت له: جعلت فداك أسألك عما كنت أسأل اباك؟ فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بحر لا ينزف، قلت: جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال فألقى إليهم وأدعوهم إليك؟ وقد أخذت علي الكتمان؟ قال: من آنست منه رشدا فالق إليه وخذ عليه الكتمان فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه - قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الاحول فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهدى فحدثته بالقصة قال: ثم لقينا الفضيل وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وساء لاه وقطعا عليه بالامامة، ثم لقينا الناس أفواجا فكل من دخل عليه قطع إلا طائفة عمار وأصحابه وبقي عبدالله لا يدخل إليه إلا قليل من الناس، فلما رأى ذلك قال: ما حال الناس؟
فأخبر أن هشاما صد عنك الناس، قال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني.
8 - علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن محمد، عن محمد بن فلان الواقفي قال: كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبدالله كان زاهدا وكان من أعبد أهل زمانه وكان يتقيه السلطان لجده في الدين واجتهاده وربما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وكان السلطان يحتمله لصلاحه، ولم تزل هذه حالته حتى كان يوم من الايام إذ دخل عليه أبوالحسن موسى (عليه السلام) وهو في المسجد فرآه فأومأ
الصفحة 353
إليه فأتاه فقال له: يا ابا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني إلا أنه ليست لك معرفة، فاطلب المعرفة، قال: جعلت فداك وما المعرفة؟ قال: اذهب فتفقه واطلب الحديث، قال: عمن؟ قال: عن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض علي الحديث، قال: فذهب فكتب ثم جاء ه فقرأه عليه فأسقطه كله ثم قال له: اذهب فاعرف المعرفة وكان الرجل معنيا بدينه فلم يزل يترصد أبا الحسن (عليه السلام) حتى خرج إلى ضيعة له، فلقيه في الطريق فقال له: جعلت فداك إني أحتج عليك بين يدي الله فدلني على المعرفة قال: فأخبره بأمير المؤمنين (عليه السلام) وما كان بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخبره بأمر الرجلين فقبل منه، ثم قال له: فمن كان بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: الحسن (عليه السلام) ثم الحسين (عليه السلام) حتى انتهى إلى نفسه ثم سكت، قال: فقال له: جعلت فداك فمن هو اليوم؟
قال: إن أخبرتك تقبل؟ قال: بلى جعلت فداك؟ قال: أنا هو، قال: فشئ أستدل به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة - وأشار [بيده] إلى ام غيلان - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي، قال: فأتيتها فرأيتها والله تخد الارض خدا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت قال: فأقر به ثم لزم الصمت والعبادة، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك.
محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن هشام مثله.
9 - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن الطيب، عن عبدالوهاب بن منصور، عن محمد بن أبي العلاء قال: سمعت يحيى بن أكثم - قاضي سامراء - بعد ما جهدت به وناظرته وحاورته وواصلته وسألته عن علوم آل محمد فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأيت محمد بن علي الرضا (عليهما السلام) يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إلي، فقلت له: والله إني أريد أن أسألك مسألة وإني والله لاستحيي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الامام، فقلت: هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت:
علامة؟، فكان في يده عصا فنطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة.
10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد أو غيره، عن علي بن الحكم، عن الحسين
الصفحة 354
ابن عمر بن يزيد قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) وأنا يومئذ واقف وقد كان ابي سأل أباه عن سبع مسائل فأجابه في ست وأمسك عن السابعة، فقلت: والله لاسألنه عما سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل جواب أبيه كانت دلالة، فسألته فأجاب بمثل جواب ابيه أبي في المسائل الست، فلم يزد في الجواب واوا ولا ياء وأمسك عن السابعة وقد كان أبي قال لابيه: إني أحتج عليك عند الله يوم القيامة أنك زعمت أن عبدالله لم يكن إماما، فوضع يده على عنقه، ثم قال له: نعم احتج علي بذلك عند الله عزوجل فما كان فيه من إثم فهو في رقبتي، فلما ودعته قال: إنه ليس أحد من شيعتنا يبتلي ببلية أو يشتكي فيصبر على ذلك إلا كتب الله له أجر ألف شهيد، فقلت في نفسي: والله ما كان لهذا ذكر، فلما مضيت وكنت في بعض الطريق، خرج بي عرق المديني (1) فلقيت منه شدة، فلما كان من قابل حججت فدخلت عليه وقد بقي من وجعي بقية، فشكوت إليه وقلت له: جعلت فداك عوذ رجلي وبسطتها بين يديه، فقال لي: ليس على رجلك هذه بأس ولكن أرني رجلك الصحيحة فبسطتها بين يديه فعوذها، فلما خرجت لم ألبث إلا يسيرا حتى خرج بي العرق وكان وجعه يسيرا.
11 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن ابن قياما الواسطي - وكان من من الواقفة - قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) فقلت له: يكون إمامان؟
قال: لا إلا وأحدهما صامت، فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت - ولم يكن ولد له أبوجعفر بعد - فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله، و ويمحق الباطل وأهله، فولدله بعد سنة أبوجعفر (عليه السلام) - فقيل لابن قياما: ألا تقنعك هذه الآية؟ فقال: أما والله إنها لآية عظيمة ولكن كيف أصنع بما قال أبوعبدالله (عليه السلام) في ابنه؟
12 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء قال: أتيت خراسان - وأنا واقف - فحملت معي متاعا وكان معي ثوب وشي في بعض الرزم (2) ولم أشعر به ولم أعرف مكانه، فلما قدمت مرو، ونزلت في بعض منازلها لم أشعر إلا ورجل مدني من بعض
____________
(1) عرق المدينى مركب اضافى، وهو خيط يخرج من الرجل تدريجا ويشتد وجعه (آت)
(2) الرزم - بالكسر جمع رزمة وهى الثياب المشدودة في ثوب واحد. [*]
الصفحة 355
مولديها، فقال لي: إن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول لك: ابعث إلي الثوب الوشي الذي عندك قال: فقلت: ومن أخبر أبا الحسن بقدومي وأنا قدمت آنفا وما عندي ثوب وشي؟! فرجع إليه وعاد إلي، فقال: يقول لك: بلى هو في موضع كذا و كذا ورزمته كذا وكذا، فطلبته حيث قال: فوجدته في أسفل الرزمة، فبعثت به إليه.
13 - ابن فضال، عن عبدالله بن المغيرة قال: كنت واقفا وحججت على تلك الحال، فلما صرت بمكة خلج في صدري شئ، فتعلقت بالملتزم (1) ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الاديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا (عليه السلام)، فأتيت المدينة فوقفت ببابه وقلت: للغلام قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب، قال: فسمعت نداء ه وهو يقول: ادخل يا عبدالله بن المغيرة، ادخل يا عبدالله بن المغيرة، فدخلت، فلما نظر إلي قال لي: قد أجاب الله دعاءك وهداك لدينه، فقلت:
أشهد أنك حجة الله وأمينه على خلقه.
14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبدالله قال: كان عبدالله بن هليل (2) يقول بعبد الله (3) فصار إلى العسكر (4) فرجع عن ذلك، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: إني عرضت لابي الحسن (عليه السلام) أن أسأله عن ذلك، فوافقني في طريق ضيق، فمال نحوي حتى إذا حاذاني، أقبل نحوي بشئ من فيه، فوقع على صدري، فأخذته فإذا هو رق فيه مكتوب: ما كان هنالك، ولا كذلك (5).
15 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا ذكر اسمه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إسماعيل بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب قال: حدثني جعفر بن زيد بن موسى، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قالوا: جائت ام أسلم يوما إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في منزل ام سلمة، فسألتها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت خرج في بعض الحوائج والساعة يجيئ، فانتظرته عند ام سلمة حتى جاء (صلى الله عليه وآله)، فقالت
____________
(1) هو المستجار محاذى باب الكعبة من ظهرها، يستحب إلصاق البطن والصدر بحائطه و التزامه والدعاء فيه مستجاب (آت)
(2) في بعض النسخ [عبدالله بن هلال].
(3) اى بامامة عبدالله الافطح. [*]
(4) اى إلى سامراء، سمى به لانه بنى للعسكر
(5) اى ما كان عبدالله هناك اى في مقام الامامة، ولا كان كذلك اى مستحقا للامامة. (آت) [*]
الصفحة 356
أم أسلم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني قد قرأت الكتب وعلمت كل نبي ووصي، فموسى كان له وصي في حياته ووصي بعد موته، وكذلك عيسى، فمن وصيك يا رسول الله؟ فقال لها: يا ام أسلم وصيي في حياتي وبعد مماتي واحد، ثم قال لها: يا أم أسلم من فعل فعلي هذا فهو وصيي، ثم ضرب بيده إلى حصاة من الارض ففركها (1) بأصبعه فجعلها شبه الدقيق، ثم عجنها، ثم طبعها بخاتمه، ثم قال: من فعل فعلي هذا فهو وصيي في حياتي وبعد مماتي، فخرجت من عنده، فأتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلت: بأبي أنت وامي أنت وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم يا ام أسلم ثم ضرب بيده إلى حصاة ففركها فجعلها كهيئة الدقيق، ثم عجنها وختمها بخاتمه، ثم قال:
يا ام أسلم من فعل فعلي هذا فهو وصيي، فأتيت الحسن (عليه السلام) وهو غلام فقلت له:
يا سيدي أنت وصي أبيك؟ فقال: نعم يا ام أسلم، وضرب بيده وأخذ حصاة ففعل بها كفعلهما، فخرجت من عنده فأتيت الحسين (عليه السلام) - وإني لمستصغرة لسنه - فقلت له:
بأبي أنت وامي، أنت وصي أخيك؟ فقال، نعم يا ام أسلم ايتيني بحصاة، ثم فعل كفعلهم، فعمرت ام أسلم حتى لحقت بعلي بن الحسين بعد قتل الحسين (عليه السلام) في منصرفه، فسألته أنت وصي أبيك؟ فقال: نعم، ثم فعل كفعلهم صلوات الله عليهم أجمعين.
16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن الجارود، عن موسى بن بكر بن داب (2)، عمن حدثه، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) دخل على أبي جعفر محمد بن علي ومعه كتب من أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له أبوجعفر (عليه السلام): هذه الكتب ابتداء منهم، أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه؟ فقال: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا، ولما نحن فيه من الضيق والضنك و البلاء، فقال له أبوجعفر (عليه السلام)، إن الطاعة مفروضة من الله عزوجل وسنة أمضاها في الاولين وكذلك يجريها في الآخرين والطاعة لواحد منا والمودة للجميع، و أمر الله يجري لاوليائه بحكم موصول، وقضاء مفصول، وحتم مقضى وقدر مقدور،
____________
(1) فرك الشئ اى دلكه.
(2) في بعض النسخ [ذئاب]. وفى بعضها [ذاب]. [*]
الصفحة 357
وأجل مسمى لوقت معلوم، فلا يستخفنك الذين لا يوقنون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فلا تعجل، فإن الله لا يجعل لعجلة العباد ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك، قال: فغضب زيد عند ذلك، ثم قال: ليس الامام منا من جلس في بيته و أرخى سترة وثبط عن الجهاد ولكن الامام منا من منع حوزته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه، قال أبوجعفر (عليه السلام): هل تعرف يا أخي من نفسك شيئا مما نسبتها إليه فتجيئ عليه بشاهد من كتاب الله أو حجة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو تضرب به مثلا، فإن الله عزوجل أحل حلالا وحرم حراما و فرض فرائض وضرب أمثالا وسن سننا ولم يجعل الامام القائم بأمره شبهة فيما فرض له من الطاعة أن يسبقه بأمر قبل محله، أو يجاهد فيه قبل حلوله، وقد قال الله عز وجل في الصيد: " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم (1) " أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس التي حرم الله. وجعل لكل شئ محلا وقال الله عزوجل: " وإذا حللتم فاصطادوا (2) " وقال عزوجل: " لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام " فجعل الشهور عدة معلومة فجعل منها أربعة حرما وقال: " فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي (3) الله "، ثم قال تبارك وتعالى: " فإذا انسلخ الاشهر