تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السابع عشر 17 · صفحة 69 من 571
صفحة
[صفحة 56]
قوله تعالى وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ قال الرازي ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول لما رأى إعراض قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه و بين قومه و ذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد (1) من أندية قريش كثير أهله و أحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه و تمنى ذلك فأنزل تعالى سورة النَّجْمِ (2) إِذا هَوى فقرأها رسول الله(ص)حتى بلغ أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق (3) العلى. منها الشفاعة ترتجى. فلما سمعت قريش فرحوا و مضى رسول الله(ص)في قراءته و قرأ السورة كلها فسجد المسلمون لسجوده و سجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن و لا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة و سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة (4) من البطحاء و رفعاها إلى جبهتيهما و سجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود و تفرقت قريش و قد سرهم ما سمعوا و قالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله(ص)أتاه جبرئيل(ع)فقال ما ذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله و قلت ما لم أقل
____________
(1) النادى: المجلس.
(2) في المصدر: و النجم.
(3) في النهاية: الغرانيق هاهنا الأصنام، و هي في الأصل: الذكور من طير الماء واحدها غرنوق و غرنيق، سمى به لبياضه، و قيل: هو الكركى، و الغرنوق أيضا الشاب الناعم الابيض، و كانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من اللّه و تشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء و ترتفع انتهى أقول: حديث الغرانيق من الخرافات التي روتها العامّة، و هو موضوع ممّا لا أصل له، و العجب من علماء أهل السنة كيف رووه في كتبهم و فيه إزراء شنيع للرسول المطهر (صلى الله عليه و آله) و هتك لقداسته و حرمته، فكيف يجوز لمسلم آمن باللّه و عرف رسوله و صدقه أن يتفوه بمثل هذا الكلام في حق النبيّ الذي لا ينطق إلّا عن الوحى و لا يفعل إلّا ما فيه رضا الرب، فلو كان يثبت ذلك فهل يمكن أن يعتمد على قول من هذا قوله و فعاله، أ ليس يشك كل من سمع منه حكما من أحكام الدين في أنه هل أوحى إليه بذلك أو ألقى الشيطان في امنيته، نعوذ باللّه من الضلال و الخذلان و اتباع وساوس الشيطان.
(4) الحفنة: ملء الكفين. المصدر: أخذا حفنة من التراب من البطحاء.