أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الاول 1 · صفحة 302 من 441
صفحة
[صفحة 302] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لوليه والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا ابي القاسم محمد نبيه وعلى الاثنى عشر المعصومين اوصياء نبيه (وبعد) فقد عرض علي العالم الفاضل الكامل ثقة الاسلام السيد طيب الجزائرى حفظه الله تعالى وزاد في توفيقاته بعض الملازم من كتاب (تفسير القمي) الذي قصد نشره ثالثا وطلب منى تقريظه والادلاء برأيي في الاعتماد اليه، ولقد سررت بنشره واعتذرت اليه من اطراء الكتاب وابداء رأيي لعجزي والضعف المستولى علي ورعشة اليد التي صارت العائق عن كثير الاعمال، إلا انه رعاه الله لم يقنع بذلك وألح في الطلب فعز علي ان ألح في الامتناع فاكتفيت بهذا القدر الذي لم تسمح الحال باكثر منه فعلى كل من يريد الاطلاع التام على مزايا الكتاب ان يراجع كتابنا (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج 4 ص 302 ليجد تفصيل ما كتبناه وخلاصة ما عرفناه عن هذا الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامين الهمامين ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) من طريق ابي الجارود وابي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
الصفحة 395
من طريق علي بن ابراهيم القمي رضوان الله عليهم وارجو للسيد حفظ الله تعالى ولامثاله من اهل العلم النابهين مزيد التوفيق لنشر آثار الائمة الاطهار (عليهم السلام) واحياء مآثر السلف الصالح، كتبه بانامله المرتعشة في مكتبته العامة في النجف الاشرف في السبت غرة ربيع المولود (1387) الفانى آقا بزرك الطهرانى عفي عنه
الصفحة 396
المقدمة من حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري دام ظله بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يارب على ما منحتنا من قوة فكرية جوالة في الاذهان، وفتحت مغالقها بمفاتح القرآن الذى هو اكبر آياته وتبيان، واحسن دليل وبرهان، ونصلي ونسلم على من انزله عليه فجاء به احسن الاديان، الذي ازدهر على الارجاء والاركان، واشتهر في الآفاق والازمان، وعلى آله الذين جعل قولهم وفعلهم مفسر القرآن، فلولا هم لم يكن الفرقان بين ما شان وما زان، ولا بين الطاعة والعدوان، بهم عبدالرحمن ومنهم يئس الشيطان (اما بعد) فاني منذ اليوم الذي بدأت المطالعة في تفاسير القرآن التي وردت عن اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم اجمعين، كنت معجبا بتفسير القمي ومشتاقا اليه لاجل الاسرار المودعة فيه واحتياج التفاسير الكثيرة اليه، وتقدم مؤلفه زمانا وشرفا، فكان ينمو هذا الشوق في بالي شيئا فشيئا إلى ان صادفت الكتاب في النجف فابتهجت لحسن الحظ والشرف، ولكن ما تم سروري به إذ أخذ مكانه اسف، لانى وجدت كثيرا من عبارات هذه النسخة ملحونة، وبالاغلاط والسقطات مشحونة، بحيث لم تخل الاستفادة منها من التعب، وكانت مع هذه الحالة اغلى من الذهب، فاشرت بعض من اثق به من الاحباب ان يدخر له الاجر بطبع هذا الكتاب ولما كان الرأي قريبا إلى الصواب قبله ولبانى، ورحب بي على هذا وحياني، وكلفنى بتصحيحه وان اكتب شيئا مقدمة للكتاب
الصفحة 397
ليكون تبصرة لاولى الالباب فقبلت مسؤله متوكلا على الله ومستمدا به وهو حسبي واليه انيب.
صاحب التفسير:
هو الثقة الجليل ابوالحسن علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، قال النجاشي (على ما حكاه صاحب التنقيح) " ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب سمع فاكثر " ومثله في الخلاصة وعده في القسم الاول منها، وعنونه ابن داود في الباب الاول ووثقه في الوجيزة والبلغة، وعن اعلام الورى انه من اجل رواة اصحابنا، كان في عصر الامام العسكري (عليه السلام) وعاش إلى سنة 307 ـ وقد اكثر ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله الرواية عنه في الكافي ـ ومما يدل على جلالته ان الادعية والاعمال الشائعة في مسجد السهلة المتداولة المتلقاة بالقبول المذكورة في المزار الكبير وغيره مما ينتهي سندها اليه لا غير رضوان الله عليه ـ اما مؤلفاته غير هذا التفسير فهي ـ (1) كتاب الناسخ والمنسوخ (2) كتاب قرب الاسناد (3) كتاب الشرائع. (4) كتاب الحيض. (5) كتاب التوحيد والشرك. (6) كتاب فضائل امير المؤمنين (عليه السلام). (7) كتاب المغازي. (8) كتاب الانبياء. (9) كتاب المشذر. (10) كتاب المناقب. (11) كتاب اختيار القرآن (1).
واكثر ما يرويه علي بن ابراهيم فعن ابيه ابراهيم بن هاشم كما هو دأبه في هذا التفسير وغيره من كتبه فيجدر بنا الاشارة إلى ترجمته مختصرا.
ترجمة ابراهيم بن هاشم القمي:
لا يخفى على ارباب النهى ما ورد من الثناء على القميين وما هي مرتبتهم
____________
(1) تنقيح المقال 260 / 2. (*)
الصفحة 398
باعتبار خدمتهم للدين المبين ـ فعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (ره) ان الامام الصادق الناطق بالحق يقول ـ قم بلدنا وبلد شيعتنا مطهرة مقدسة قبلت ولايتنا اهل البيت لا يريدهم أحد بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا اخوانهم فاذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء، اما انهم انصار قائمنا ورعاة حقنا، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم اعصمهم من كل فتنة ونجهم من هلكة (1).
ففضل اهل قم لا ينكر لانه ابهر من الشمس واشهر من القمر وكيف لا يكون كذلك وقد خرج منها جهابذة العلوم الجعفرية وعباقرة البحور الباقرية كابي جرير وزكريا بن ادريس وزكريا بن آدم وعيسى بن عبدالله إلا ان منهم من نال حظه ازيد واكثر كابراهيم بي علي هذا فانه شيخ القميين ووجههم، فضله على القميين باعتبار تقدمه في رواية الكوفيين، قد حكى الشيخ والنجاشي وغيرهما من الاصحاب انه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم ـ قال السيد الداماد في محكي الرواشح ان مدحهم اياه بانه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم كلمة جامعة (وكل الصيد في جنب القرا) وقال ايضا الصحيح والصريح عندى ان الطريق من جهته صحيح فامره اجل وحاله اعظم من ان يتعدل ويتوثق بمعدل وموثق غيره بل غيره يتعدل ويتوثق بتعديله وتوثيقه اياه، كيف واعاظم اشياخنا الفخام كرئيس المحدثين والصدوق والمفيد وشيخ الطائفة ونظرائهم ومن في طبقتهم ودرجتهم ورتبتهم من الاقدمين والاحدثين شأنهم اجل وخطبهم اكبر من ان يظن باحد منهم قد احتاج إلى تنصيص ناص وتوثيق موثق وهو شيخ الشيوخ وقطب الاشياخ ووتد الاوتاد وسند الاسناد فهو أحق وأجدر بان يستغنى عن ذلك (انتهى).
____________
(1) الكنى والالقاب 76 / 3. (*)
الصفحة 399
وقال في الفهرست " ابراهيم بن هاشم ابواسحاق القمي اصله من الكوفة وانتقل إلى قم واصحابنا يقولون انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم وذكروا انه لقي الرضا (عليه السلام). والذي اعرف من كتبه كتاب النوادر وكتاب القضاء لامير المؤمنين (عليه السلام) ".
وقال في التنقيح ما لفظه: انه شيخ من مشائخ الاجازة فقيه، محدث من اعيان الطائفة وكبرائهم واعاظهم وانه كثير الرواية سديد النقل قد روى عنه ثقات الاصحاب واجلاؤهم وقد اعتنوا بحديثه واكثر والنقل عنه كما لا يخفى على من راجع الكتب الاربعة للمشائخ الثلاثة رضي الله عنهم فانها مشحونة بالنقل عنه اصولا وفروعا (انتهى).
ولاجل كونه راويا في اكثر رواياته عن محمد بن ابى عمير لا بأس في تحرير نبذة من ترجمته.
محمد بن ابي عمير:
قال في التنقيح محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى الازدي ابواحمد الذي اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه وعد مراسيله مسانيد، عاصر مولانا الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام).
وقال النجاشي انه من موالى المهلب بن ابى صفرة وقيل مولى بني امية والاول اصح، بغدادي الاصل والمقام لقي ابا الحسن موسى وسمع منه احاديث كناه في بعضها فقال يا ابا محمد وروى عن الرضا (عليه السلام)، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، ذكره الجاحظ يحكي عنه في كتبه وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية وقال في البيان والتبيين حدثني ابراهيم بن داحية عن ابن ابي عمير وكان وجها من وجوه الرافضة وكان حبس في ايام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولى بعد ذلك وقيل ليدل مواضع الشيعة واصحاب موسى بن
الصفحة 400
جعفر (عليه السلام)، وروي انه ضرب اسواطا بلغت منه مائة فكاد ان يقر لعظيم الالم فسمع محمد بن يونس بن عبدالرحمن وهو يقول اتق الله يا محمد بن ابي عمير ففرج الله عنه، وروي انه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد (انتهى).
وعن الفهرست ـ محمد بن ابي عمير يكنى ابا محمد من مولى الازد واسم ابى عمير زياد رحمه الله، وكان من اوثق الناس عند الخاصة والعامة وانسكهم نسكا واعبدهم وأورعهم وقد ذكره الجاحظ في كتابه في فخر قحطان على عدنان بهذه الصفة التي وصفناه وذكر انه كان اوحد أهل زمانه في الاشياء كلها ادرك من الائمة (عليهم السلام) ثلاثة ابا ابراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) ولم يرو عنه، وروى عن ابي الحسن الرضا والجواد (عليهما السلام)، وروى عنه احمد بن محمد عيسى انه كتب مائة رجل من رجال ابي عبدالله الصادق (عليه السلام) وله مصنفات كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا (انتهى) وعن الكشي في عنوان تسمية الفقهاء من اصحاب ابي ابراهيم وابي الحسن الرضا (عليهما السلام): اجتمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم وهم ستة نفر آخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في اصحاب ابي عبدالله (عليه السلام) منهم يونس بن عبدالرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن ابى عمير وعبدالله بن المغيرة والحسن بن المحبوب واحمد بن محمد ابى نصر.
وكان من خصائص ابن ابى عمير انه لم يرو عن العامة ابدا مع رواياتهم عنه فلذا كانت مروياته خالصة محصنة غير مشوبة برواياتهم كما يظهر من سؤال شاذان بن الخليل النيسابوري اياه فقال له انك قد لقيت مشائخ العامة فكيف لم تسمع منهم؟ فقال قد سمعت منهم غير انى رأيت كثيرا من اصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة
الصفحة 401
وحديث الخاصة عن العامة فكرهت ان يختلط علي فتركت ذلك واقبلت على هذا (1).
عبادته:
(قال الفضل بن شاذان) دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكسب عليهم وما آمن من ان تذهب عيناك لطول سجودك (قال) فلما اكثر عليه قال اكثرت علي ويحك لو ذهبت عين احد من السجود لذهبت عين ابن ابى عمير ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد الصلاة الفجر فما يرفع رأسه إلا عند الزوال (وسمعته يقول) اخذ يوما شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن ابي عمير فصعدنا اليه في غرفة وحوله مشائخ له يعظمونه ويبجلونه فقلت لابي من هذا؟ فقال هذا ابن ابي عمير قلت الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم (2).
سخاؤه:
اما سخاؤه فقد بلغ إلى مرتبة لم يكن في ذلك العصر من يفضل عليه في هذه المنقبة العليا غير مواليه الكرام (عليهم السلام) الذين اقتدى بقدوتهم واقتبس من جذوتهم فانه يذكر في جوده وكرمه وايثاره على نفسه ما يجمد في قباله بحر متلاطم وينسى دونه جود حاتم.
روى الشيخ والصدوق رضوان الله عليهما ان محمد بن ابى عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر وكان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له كان يسكنها بشعرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه فخرج اليه محمد بن ابى عمير فقال ما هذا؟ قال هذا مالك الذي علي، قال ورثته؟ قال لا، قال وهب
____________
(1) التنقيح 62 / 2
(2) التنقيح 62 باب محمد (*)
الصفحة 402
لك؟ قال لا بل هو من ثمن ضيعة بعتها، قال ما هو؟ فقال بعت داري التى اسكنها لاقضي ديني فقال محمد بن ابى عمير حدثني ذريح المحاربى عن ابى عبدالله (عليه السلام) قال: (لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين) ارفعها فلا حاجة لي فيها وانى والله لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم ولا يدخل في ملكي من هذا درهم واحد (1).
جهاده:
اما جهاده في سبيل الحق واحتمال الشدائد له فهو حسب ما روي عن الكشي انه قال وجدت بخط ابى عبدالله الشاذانى سمعت ابا محمد الفضل بن شاذان يقول سعي بمحمد بن ابى عمير (واسم ابي عمير زياد) إلى السلطان انه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فامره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد وعلق بين القفازين فضرب مائة سوط (قال الفضل سمعت ابن ابى عمير) لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم إلي فكدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس يقول يا محمد بن ابى عمير اذكر موقفك بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله وصبرت ولم اخبر والحمد لله (2).
وروي انه تولى ضربه السندي بن شاهك امام هارون الرشيد فادى مائة وواحدا وعشرين الف درهم حتى خلى عنه وكان رب خمسمائة الف درهم (3).
ويظهر من سير التاريخ والحديث انه رحمه الله قاسى من الجهد والبلاء في عصري الهارون والمأمون فان المأمون حبسه في سجنه اربع سنين وكان ذلك بعد وفاة الرضا (عليه السلام) واختلفت الاقوال في ذهاب كتبه فقيل ان اخته دفنتها حال
____________
(1) التنقيح 421 / 1.
(2) 62 باب محمد
(3) التنقيح 63 باب محمد (*)
الصفحة 403
استتاره في السجن خوفا عليه كما ذكره جدي الامجد السيد الجزائري رحمه الله في شرحه على التهذيب (1) وقيل تركها في غرفة فسال عليها المطر فلما اطلق من حبسه حدثهم من حفظه وكان يحفظ ما يبلغ من اربعين جلدا فسماه نوادر فلذلك توجد احاديثه منقطعة الاسانيد الا ان الاصحاب سكنوا اليها وعاملوها معاملة الصحاح ثقة به.
مؤلفاته:
انه صنف كتبا كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا منها كتاب النوادر، كتاب الاستطاعة والافعال والرد على اهل القدر والجبر، كتاب المبدأ، كتاب الامامة، كتاب المتعة، كتاب المغازي، كتاب الكفر والايمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الامامة، كتاب الحج، كتاب فضائل الحج، كتاب الملاحم، كتاب يوم وليلة، كتاب الصلاة، كتاب مناسك الحج، كتاب الصيام، كتاب اختلاف الحديث، كتاب المعارف، كتاب التوحيد، كتاب النكاح، كتاب الرضاع.
توفي رحمه الله سنة 217 (2).
الثناء على التفسير:
لا ريب في ان هذا التفسير الذي بين ايدينا من اقدم التفاسير التى وصلت الينا ولولا هذا لما كان متنا متينا في هذا الفن ولما سكن اليه جهابذة الزمن، فكم من تفسير قيم مقتبس من اخباره ولم تره إلا منورا بانواره كالصافي والمجمع والبرهان، إلا ان هذا الاصل لم يكن متيسرا في زماننا هذا لانه لم يطبع منه في الاخير إلا نسختان، طبعتا في ايران احديهما طبعت سنة 1313 وثانيتهما التي
____________
(1) النسخة موجودة عندي بخطي.
(2) التنقيح 62 باب محمد (*)
الصفحة 404
عندي طبعت سنة 1315 مع تفسير الامام العسكري على هامشه وكلتا النسختين مع كثرة الخطأ والاشتباهات فيهما كانتا نادرتين جدا حتى لم نجدهما في اكثر مكتبات النجف الاشرف حتى مكتبة امير المؤمنين (عليه السلام) التي اسسها العلامة المجاهد الاميني مد ظله مع اتساعها وطول باعها في حيازة الكتب القيمة كانت فاقدة لها فاحتيج إلى طباعته لئلا يندرس هذا الاثر الاثري والتأليف الزهري فشمرت الباع لرفع القناع عن هذه المؤلفة المألوفة ليرى محياها كل من احبها وحياها فانها تحفة عصرية ونخبة اثرية لانها مشتملة على خصائص شتى قلما تجدها في غيرها فمنها:
(1) ان هذا التفسير اصل اصول للتفاسير الكثيرة كما تقدم.
(2) ان رواياته مروية عن الصادقين (عليهما السلام) مع قلة الوسائط والاسناد ولهذا قال في الذريعة: انه في الحقيقة تفسير الصادقين (عليهما السلام).
(3) مؤلفه كان في زمن الامام العسكري (عليه السلام).
(4) ابوه الذي روى هذه الاخبار لابنه كان صحابيا للامام الرضا (عليه السلام).
(5) ان فيه علما جما من فضائل اهل البيت (عليهم السلام) التي سعى اعداؤهم لاخراجها من القرآن الكريم.
(6) انه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التى لم يفهم مرادها تماما إلا بمعونة ارشاد اهل البيت (عليهم السلام) التالين للقرآن.
بقي شئ:
وهو ان الراوي الاول الذي املا عليه علي بن ابراهيم القمي هذا التفسير على ما يتضمنه بعض نسخ هذا التفسير (كما في نسختي) هو ابوالفضل العباس ابن محمد بن قاسم بن حمزه بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، تلميذ علي بن ابراهيم،
الصفحة 405
وهذا الشخص وان لم يوجد له ذكر في الاصول الرجالية كما ذكره صاحب الذريعة إلا ان ما يدل على علو شأنه وسمو مكانه كونه من اولاد الامام موسى ابن جعفر (عليه السلام) ومنتهيا اليه بثلاث وسائط فقط، وقد ذكره غير واحد من كتب الانساب كبحر الانساب والمجدي وعمدة الطالب، ومما يرفع غبار الريب عن اعتبار الراوي ركون الاصحاب إلى هذا الكتاب وعملهم به بلا ارتياب فلو كان فيه ضعف لما ركنوا اليه، ولذا قال الحر العاملي رحمه الله في الوسائل، وهو من الذين اخذوا من هذا الكتاب ما لفظه.
" ولم اقتصر فيه على كتب الحديث الاربعة وان كانت اشهر مما سواها بين العلماء، لوجود كتب كثيرة معتمدة من مؤلفات الثقات الاجلاء، وكلها متواترة النسبة إلى مؤلفيها، لا يختلف العلماء، ولا يشك الفضلاء فيها " (الوسائل 1 / 5) وقد عرضت هذا الكتاب قبل نشره على الشيخ الكبير والمجاهد الشهير سماحة العلامة آقا بزرك الطهرانى (صاحب الذريعة) دام ظله فابدى سروره على طبعه ودعا لي على هذا المجهود وكتب التقريظ عليه مع ضعف حاله وارتعاش يده الشريفة، حيث عبر عن هذا الكتاب ب " الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامين (عليهما السلام) ".
ولا ريب في انه عريف هذا الفن وغطريف من غطارفة الزمن فقليله في مقام الاطراء كثير.
وبالجملة انه تفسير رباني، وتنوير شعشعاني، عميق المعاني، قوي المبانى عجيب في طوره، بعيد في غوره، لا يخرج مثله إلا من العالم (عليه السلام) ولا يعقله إلا العالمون، ولم آل جهدا في تصحيحه وتنظيفه من الاغلاط المشحونة فيه فاعتمدت في تصحيحه على اربع نسخ منه:
الصفحة 406
(الاولى نسخة مطبوعة 1315 هج على هامشها تفسير الامام العسكري (عليه السلام)، وهي التي كانت عندي.
(الثانية) نسخة مطبوعة 1313 هج وجعلت رمزها في هذا الكتاب (ط).
(الثالثة) نسخة خطية من مكتبة آية الله الحكيم مد ظله وجعلت رمزها (م).
(الرابعة) نسخة خطية نادرة من مكتبة الشيخ كاشف الغطاء طاب ثراه، وجعلت رمزها (ك) واسأل الله ان يوفقنا لذلك فان بلغت فيه مناي فهو شفائى، وان بقي شئ منها فاني معتذر إلى مولاي فانه ذو الصفح الجسيم والمن القديم وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.
تنبيه يتعلق بهذا التفسير لابد لقارئ هذا التفسير من الالتفات إلى امر بدونه يصعب فهم المراد بل ربما ينفتح للعنود والمستضعف باب اللجاج والعناد، فيورد علي هذا التفسير وما شاكله بان كثيرا من مطالبه بعيد عن ظاهر اللفظ وقريب إلى التأويلات التي يستنكف العقل منها ـ مثلا ـ اي ربط للآيات النازلة في اقوام بائدة كقوم عاد وثمود باعداء اهل البيت (عليهم السلام) حيث فسرت بانها نزلت فيهم ونحو ذلك.
وجوابه يتوقف على بيان امور:
(الاول) انه قد ظهر من الادلة الباهرة والاخبار المتضافرة من الفريقين ان ذوات محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين هي علة ايجاد هذا الكون كما يظهر من الحديث المعروف " لولاك لما خلقت الافلاك " المشهور بين الفريقين وحديث " اول ما خلق الله نوري " المؤيد بقوله تعالى " قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين؟؟ " فهذه الآية تدل على ان محمدا (صلى الله عليه وآله) اول الكل وجودا
الصفحة 407
وان كان خاتم الرسل زمانا وعلي بن ابي طالب اما نفسه كما تدل على آية المباهلة او قسيم نوره كما يدل عليه قوله (صلى الله عليه وآله) " انا وعلي من نور واحد " واولاده المعصومون كلهم مظاهر جماله وكماله (صلى الله عليه وآله) كما قال (صلى الله عليه وآله): فيهم " اولنا محمد واوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد " وتدل على هذا المقصد روايات كثيرة من السنة من شاء فليراجع معارج النبوة ومدارج النبوة وينابيع المودة ونحو ذلك.
وكذا وردت روايات كثيرة معتبرة ايضا كحديث الكساء المتسالم عليه بين العلماء الاعلام والمعمول به بين الخواص والعوام وفيه: " وعزتي وجلالي اني ما خلقت سماءا مبنية ولا ارضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئا.. إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء ".
وفي اكمال الدين والعيون والعلل عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام) انه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما خلق الله خلقا افضل مني ولا اكرم عليه مني، فقلت يا رسول الله فانت افضل او جبرئيل؟ فقال يا علي ان الله فضل انبيائه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل من بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك وان الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي! الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا يا علي! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض فكيف لا نكون افضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتقديسه لان اول ما خلق الله خلق ارواحنا فانطقنا بتوحيده وبتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا. استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة، فسبحت الملائكة بتسبيحنا.
(الثاني) لما ثبت ان ذواتهم المقدسة هي اول الخلق وغرض الحق فبدليل العقل يجب على الله تعالى لطفا ان يعرفهم جميع خلقه ويعرض محبتهم على جميع
الصفحة 408
عباده وإلا ليلزم الانفكاك بين الغاية والمغيى فهم غرض الخلق وغرض خلقهم ذات الحق وان شئت فقل ان الله لم يخلق الخلق، إلا للعبادة ولا يعبد إلا بعد المعرفة وهي إنما تحصل بقبول الايمان بالله كما هو، وهو موقوف على الاقرار بالرسول المخبر عن الله، وهو موقوف على الاقرار بالامام المخبر عن الرسول فعلى الله ان يرشد اليه ويدل عليه فلا بعد ان ينزل القرآن فيهم ولهم.
(الثالث) ان الله تعالى كان عالما باعمال امة نبيه (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بانهم يلعبون بالدين ويهتكون بنو اميس حماته في كل حين، كما ظهر من شنائع بني امية وبني العباس وقد نبأ به النبي الصادق كما في صحيحي البخاري ومسلم فقال (صلى الله عليه وآله): لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟
قال فمن؟ (1) وكما في الاحتجاج عن امير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى " لتركبن طبقا عن طبق " اي لتسلكن سبل من كان قبلكم من الامم في الغدر بالاوصياء بعد الانبياء، وفي هذا المعنى روايات كثيرة من الفريقين فحينئذ لم يؤمن منهم ان لا يبقوا اسامي الائمة او فضائلهم في القرآن فلذا لم يكن بد إلا يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن واسلوبه في اكثر آياته فان له ظاهرا يتعلق بشئ وباطنا بشئ آخر، روى العياشي وغيره عن جابر قال سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن شئ من تفسير القرآن فاجابني، ثم سألت ثانيا فاجابني بجواب آخر، فقلت جعلت فداك كنت اجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم! فقال لي يا جابر ان للقرآن بطنا وللبطن بطنا وظهرا وللظهر ظهرا، يا جابر وليس شئ ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية لتكون اولها في
____________
(1) صحيح البخاري 4 / 176 (*)
الصفحة 409
شئ وآخرها في شئ وهو كلا متصل ينصرف على وجوه ".
وعن الغزالي في احياء العلوم والحافظ ابي نعيم في حلية الاولياء عن ابن مسعود قال: ان القرآن نزل علي سبعة احرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وان علي بن ابي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن والمراد من بطن القرآن تأويله كما قال: ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.
ومثال ذلك آية الشجرة حيث قال: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ـ إلى قوله ـ مالها من قرار (1) فالمراد من " الشجرة الطيبة " شجرة محمد وآله صلوات الله عليهم والمراد من " الشجرة الخبيثة " و " الشجرة الملعونة " في سورة بني اسرائيل هم بنو امية (2) فهذا تأويله فمن الذي له علم بهذا التأويل بمجرد اللفظ غير الذين انزل القرآن في بيتهم وهم اهل البيت سلام الله عليهم الملقبون في القرآن ب " الراسخون في العلم " مرة وب " الذين اوتوا العلم " مرة اخرى، فانهم العرفاء بوجوه القرآن ومعانيه والعلماء بناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، عامه وخاصه، مطلقه ومقيده، مجمله ومبينه، كما قال امير المؤمنين (عليه السلام): والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت واين نزلت وعلى من نزلت، ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (3).
فانقدح من ذلك كله انه اذا ورد منهم معنى آية من الآيات القرآنية في مقام التأويل والتعبير عن بطن القرآن فلا مجال لانكاره او استغرابه وان كان خلافا للظاهر وهل هبط الروح الامين بالقرآن إلا في بيتهم، وهل استنارت آياته إلا من زيتهم، فهم اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ومنبت