أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الاول 1 · صفحة 410 من 441
صفحة
المؤمنين صلوات الله عليه يؤذن اذانا يسمع الخلائق كلها، والدليل على ذلك قول الله عزوجل في سورة البراءة " واذان من الله ورسوله " فقال امير المؤمنين (عليه السلام) كنت أنا الاذان في الناس واما قوله (وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابي ايوب عن بريد (يزيد ط) عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال الاعراف كثبان بين الجنة والنار، والرجال الائمة صلوات الله عليهم، يقفون على الاعراف مع شيعتهم وقد سيق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب، فيقول الائمة لشيعتهم من اصحاب الذنوب انظروا إلى اخوانكم في الجنة قد سيقوا (سبقوا ط) اليها بلا
الصفحة 232
حساب، وهو قوله تبارك وتعالى (سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) ثم يقال لهم انظروا إلى اعدائكم في النار وهو قوله (واذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى اصحاب الاعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) في النار ف (قالوا ما اغنى عنكم جمعكم) في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) ثم يقولون لمن في النار من اعدائهم أهؤلاء شيعتى واخواني الذين كنتم انتم تحلفون في الدنيا ان لا ينالهم الله برحمة ثم يقول الائمة لشيعتهم (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا انتم تحزنون) ثم (نادى اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله).
حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابى حمزة الثمالي عن ابي الربيع قال حججت مع ابي جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها هشام بن عبدالملك، وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب، فنظر نافع إلى ابي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال ياامير المؤمنين من هذا الذي تكافأ عليه الناس؟
قال هذا ابن (بنى ط) اهل الكوفة محمد بن علي بن الحسين بن على بن ابى طالب (عليهم السلام)، فقال لآتينه فلاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي او وصي نبي، قال فاذهب اليه فاسأله لعلك تخجله، فجاء نافع حتى اتكأ على الناس فاشرف على ابى جعفر (عليه السلام) فقال يا محمد بن علي انى قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت اسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي او وصي نبي او ابن نبي، فرفع ابوجعفر (عليه السلام) رأسه فقال سل عما بدا لك، قال اخبرنى كم كان بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) من سنة؟ فقال اخبرك بقولك ام بقولي؟ قال اخبرني بالقولين جميعا، قال اما في قولي فخمس مائة سنة، واما في قولك فستمائة سنة، قال اخبرنى عن قول الله تعالى " واسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " من الذي سأله محمد
الصفحة 233
(صلى الله عليه وآله)؟ وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة، قال فتلا ابوجعفر (عليه السلام) هذه الآية " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " كان من الآيات التي أراها محمدا (صلى الله عليه وآله) حيث اسرى به إلى البيت المقدس انه حشر الله له الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم امر جبرئيل (عليه السلام) فاذن شفعا واقام شفعا (1) وقال في اقامته حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم فلما انصرف قال الله له: سل يامحمد من ارسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما تشهدون وما كنتم تعبدون؟ قالو نشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وانك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا، قال نافع صدقت ياابا جعفر، فاخبرني عن قول الله تعالى: " يوم تبدل الارض غير الارض والسموات " باي ارض الذي تبدل؟ فقال ابوجعفر (عليه السلام) بخبزة بيضاء يأكلون منها (2) حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فقال
____________
(1) شفعت الشئ شفعا من باب نفع، ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها ركعتين، ومنه قول الفقهاء: الشفع ركعتان والوتر واحدة. (مجمع)
(2) تبدل الارض يوم القيامة بخبزة بيضاء قد وردت فيه روايات كثيرة خاصة وعامة، اما الروايات الخاصة فعن الكافي عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال سأله الابرش الكلبي عن قول الله عزوجل " يوم تبدل الارض غير الارض " قال تبدل خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغوا من الحساب، فقال الابرش فقلت ان الناس يومئذ لفي شغل عن الاكل، إلى آخر ما اجاب به الامام (عليه السلام) عن الايراد المذكور، عن زرارة قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن قوله الله عزوجل " يوم تبدل الارض. الخ " قال تبدل خبزا نقيا يأكل منه الناس حتى يفرغوا من = (*)
الصفحة 234
نافع انهم عن الاكل لمشغولون، فقال ابوجعفر (عليه السلام) أهم حينئذ اشغل او وهم في النار؟ فقال نافع بل وهم في النار، قال (عليه السلام) فقد قال الله " ونادى اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله " ما شغلهم اذا
____________
= الحساب، قال قائل انهم لفي شغل عن الاكل والشرب؟ فقال ان الله خلق ابن آدم اجوف ولا بد له من الطعام والشراب الخ، وعن ارشاد المفيد (ر ح) عن عبدالرحمن بن عبدالله الزهري، قال حج هشام بن عبدالملك فدخل المسجد الحرام متكئا على ولد سالم مولاه، ومحد بن علي (عليه السلام) جالس في المسجد، فقال له سالم مولاه، ياامير المؤمنين! هذا محمد بن علي، قال هشام المفتونون به اهل العراق؟
قال نعم، قال اذهب اليه فقل له: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى ان يفصل بينهم يوم القيامة؟ قال ابوجعفر (ع) " يحشر الناس على مثل قرص نقي، فيها انهار متفجرة، يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب " إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة الواردة فيه واما الروايات العامة ففي روح المعاني عن ابن جبير: تبدل الارض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه وعن افلح مولى ابى ايوب: ان الارض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ احدكم خبزته في السفر، نزلا لاهل الجنة وهو في الصحيحين " ان تبدل الارض خبزا وان كان مما تستغربه الاذهان العامة لكن شيئا من التأمل يدفعه، لان المراد منها ليس هي الخبزة التي نأكلها، بل مادة شبيهة لها كما مضى في قول الامام (عليه السلام) في الرواية " على مثل قرص نقي " هذا ثم ان الغرابة اما من جهة الاستحالة الذاتية فهي ممنوعة، أو الاستحالة العادية وهى مرتفعة بعموم قدرة الله تعالى، واما من جهة اخرى كعدم المناسبة أو عدم الداعي إلى ذلك، وقد أجاب عنه الامام (عليه السلام) من ان ابن آدم خلق اجوف فما = (*)
الصفحة 235
دعوا الطعام فاطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحيم، فقال صدقت يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبقيت مسألة واحدة، قال وما هي؟ قال اخبرني عن الله متى كان؟ قال ويلك اخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم قال (عليه السلام) يانافع اخبرني عما اسألك عنه، فقال هات يا ابا جعفر، قال (عليه السلام): ما تقول في اصحاب النهروان؟ قال فان قلت ان امير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت أي رجعت إلى الحق وان قلت انه قتلهم باطلا فقد كفرت، قال فولى عنه وهو يقول انت والله اعلم الناس حقا حقا، ثم اتى هشام بن عبدالملك فقال له ما صنعت؟ قال دعني من كلامك هو والله اعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله حقا حقا ويحق لاصحابه ان يتخذوه نبيا.
ثم قال عزوجل (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم) أي نتركهم والنسيان منه عزوجل هو الترك وقوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) فهو من الآيات التي تأويلها بعد تنزيلها، قال ذلك
____________
= دام فيه اثر من الحياة يحتاج إلى ما يملا جوفه، حتى في رحم الامهات وفي الجنان وجهنم كذلك، ففي يوم القيامة كيف لا يحتاج اليه مع طول مدته التي نص عليها القرآن بانه كالف سنة مما تعدون (الحج 47).
وقد وردت فيه روايات اخر ايضا لا تقل غرابة مما ذكره القمي كتبدل الارض فضة والسماء ذهبا ذكرها تفاسير العامة.
وفي رواية السجاد (عليه السلام) " تبدل الارض غير الارض " يعني بارض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها اول مرة (الصافي) وعلى هذا التفسير لا حاجة الي تجشم الذب عنه.
ج. ز. (*)
الصفحة 236
في القائم (عليه السلام)، ويوم القيامة (يقول الذين نسوه من قبل) اي تركوه (قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) قال هذا يوم القيامة (او نرد فنعمل غيرالذي كنا نعمل قد خسروا انفسهم وضل عنهم) اي بطل عنهم (ما كانوا يفترون) وقوله (ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام) قال في ستة اوقات (ثم استوى على العرش) اي علا بقدرته على العرش (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا) اي سريعا وقوله (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) اي علانية وسرا وقوله (ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها وادعوه خوفا وطعما ان رحمة الله قريب من المحسنين) قال اصلحها برسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) فافسدوها حين تركوا امير المؤمنين (عليه السلام) وذريته (عليهم السلام).
وقوله (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ـ إلى قوله ـ كذلك يخرج الموتى) دليل على البعث والنشور وهو رد على الزنادقة وقوله (والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه) وهو مثل الائمة صلوات الله عليهم يخرج علمهم باذن ربهم (والذي خبث) مثل اعدائهم (لا يخرج) علمهم (إلا نكدا) كذبا فاسدا، وقوله (ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه) نكتب خبر نوح وهود وصالح الجزء (9) وشعيب في سورة هود ان شاء الله تعالى وقوله (أفأمنوا مكر الله) قال المكر من الله العذاب وقوله (او لم يهد للذين يرثون الارض) يعني اولم يبين (من بعد اهلها ان لو نشاء اصبناهم بذبوبهم الآية) ثم قال (تلك القرى نقص عليك ـ يامحمد ـ من انبائها) يعني من اخبارها (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) في الذر الاول قال لا يؤمنون في الدنيا بما كذبوا في الذر الاول وهي رد على من انكر الميثاق في الذر الاول ثم قال (وما وجدنا لاكثرهم من عهد) اي ما عهدنا عليهم في الذر لم يفوا به في الدنيا (وان وجدنا اكثرهم لفاسقين) وقوله (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويدرك وآلهتك) قال كان
الصفحة 237
فرعون يعبد الاصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية، فقال فرعون (سنقتل ابناءهم ونستحيي نساءهم وانا فوقهم قاهرون) وقوله (قالوا اوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا) قال قال الذين آمنوا ياموسى قد اوذينا قبل مجيئك بقتل اولادنا ومن بعد ما جئتنا لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى، فقال موسى (عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) ومعنى ينظر اى يرى كيف تعملون فوضع النظر مكان الرؤية، وقوله (ولقد اخذنا آل فرعون بالسنين ونقص؟ من الثمرات) يعني بالسنين الجدبة لما انزل الله عليهم الطوفان والجراد والضفادع والدم، واما قوله (فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه) قال الحسنة ههنا الصحة والسلامة والامن والسعة (وان تصبهم سيئة) قال السيئة ههنا الجوع والخوف والمرض (يطيروا بموسى ومن معه) اي يتشاءموا بموسى ومن معه.
واما قوله (وقالوا مهما تأتنا به من آياتنا لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فارسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) فانه لما سجد السحرة ومن آمن به من الناس قال هامان لفرعون ان الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني اسرائيل، فجاء اليه موسى فقال له خل عن بني اسرائيل فلم يفعل فانزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى ادع ربك ربه يكف عنا الطوفان حتى اخلى عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان وهم فرعون ان يخلي عن بني اسرائيل، فقال له هامان ان خلت عن بني اسرائيل غلبك موسى وازال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر
الصفحة 238
حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع من ذلك حزعا شديدا، وقال ياموسى ادع ربك ان يكف عنا الجراد حتى اخلي عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه، فكف عنهم الجراد فلم يدعه هامان ان يخلي عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم واصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى ان دفعت عنا القمل كففت عن بني اسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال اول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني اسرائيل، فارسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم ويقال انها كانت تخرج من ادبارهم وآدانهم وآنافهم. فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاؤا إلى موسى فقالوا ادع الله ان يذهب عنا الضفادع فانا نؤمن بك ونرسل معك بني اسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك فلما ابوا ان يخلوا عن بني اسرائيل حول الله ماء النيل دما فكان القبطي يراه دما والاسرائيلي يراه ماءا فاذا شربه الاسرائيلي كان ماءا واذا شربه القبطي كان دما فكان القبطي يقول للاسرائيلي خذ الماء في فمك وصبه في فمي فاذا صبه في فم القبطي تحول دما فجزعوا جزعا شديدا، فقالوا لموسى لان رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني اسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني اسرائيل