تفسير القمي

أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الثاني 2 · صفحة 221 من 371

صفحة
[صفحة 1]
سورة الروم مكية وهى ستون آية (بسم الله الرحمن الرحيم ألم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) فانه حدثني ابي عن محمد بن ابي عمير عن جميل عن ابي عبيدة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن قول الله " ألم غلبت الروم في أدنى الارض قال: يا ابا عبيدة ان لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من الائمة (عليهم السلام)، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما هاجر إلى المدينة وقد ظهر الاسلام كتب إلى ملك الروم كتابا وبعث اليه رسولا يدعوه إلى الاسلام وكتب إلى ملك فارس كتابا وبعث اليه رسولا يدعوه إلى الاسلام، فاما ملك الروم فانه عظم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) واكرم رسوله، واما ملك فارس فانه مزق كتابه واستخف برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان ملك فارس يقاتل يومئذ ملك الروم وكان المسلمون يهوون ان يغلب ملك الروم ملك فارس وكانوا لناحية ملك الروم ارجى منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم بكى لذلك المسلمون واغتموا فأنزل الله " ألم غلبت الروم في أدنى الارض " يعني غلبتها فارس في أدنى الارض وهي الشامات وما حولها ثم قال، وفارس من بعد غلبهم الروم سيغلبون في بضع سنين (1)


____________


(1) وهذا إنما يتم إذا كان مرجع الضميرين في " هم " و " غلبهم " فارس واريد من المصدر في " غلبهم " معنى الفاعل اي كونهم غالبين ويقرأ " سيغلبون " مبنيا للمفعول بخلاف القراءة الموجودة مبنيا للفاعل ولازمه إرجاع الضميرين المذكورين إلى الروم والمراد من " غلبهم " كونهم مغلوبين فاستعمل المصدر في معنى المفعول واستعماله فيه وإن كان جائزا إلا انه في معنى الفاعل اظهر كما في = (*)

الصفحة 153


وقوله: (لله الامر من قبل) أن يأمر (ومن بعد) أن يقضي بما يشاء وقوله (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) قلت: أليس الله يقول في بضع سنين وقد مضى للمسلمين سنون كثيرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي امارة ابي بكر وإنما غلبت المؤمنون فارس في امارة عمر؟ فقال: ألم اقل لك ان لهذا تأويلا وتفسيرا والقرآن يا ابا عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع قوله:


" لله الامر من قبل ومن بعد " يعني اليه المشية في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين وذلك قوله (يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) ثم قال (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من احيوة الدنيا) يعني ما يرونه حاضرا (وهم عن الآخرة هم غافلون) قال يرون حاضر الدنيا ويتغافلون عن الآخرة وقوله (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى ان كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن) اي ظلموا واستهزؤا وقوله (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) أي يئسوا (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) يعني شركاءا يعبدونهم ويطيعونهم لا يشفعون لهم وقوله (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) قال إلى الجنة والنار (فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) اي يكرمون وقوله (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون) يقول سبحوا بالغداة وبالعشي ونصف النهار


____________


= هذا الكتاب وعليه فيكون المعنى ان الروم وان غلبت عليها الفرس، لكنهم أي فارس من بعد كونهم غالبين هذا الاوان سيصيرون مغلوبين في زمان الخليفة عمر بن الخطاب. وقال الزمخشري في الكشاف. انه قرئ " سيغلبون " بالضم كما في هذا الكتاب. ج. ز (*)


الصفحة 154


وقوله (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) قال يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن وقوله: (ويحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون) رد على الدهرية ثم قال (ومن آياته ان خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون) اي تنثرون في الارض إلى قوله (ان تقوم السماء والارض بأمره) قال يعني السماء والارض هاهنا (ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون وهو رد على اصناف الزنادقة.


واما قوله (ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم) فانه كان سبب نزولها ان قريشا والعرب كانوا إذا حجوا يلبون وكانت تلبيتهم " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك " وهي تلبية إبراهيم (عليه السلام) والانبياء، فجاءهم إبليس في صورة شيخ، فقال ليست هذه تلبية أسلافكم، قالوا: وما كانت تلبيتهم؟ فقال: كانوا يقولون " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك " فنفرت قريش من هذا القول، فقال لهم إبليس على رسلكم حتى آتي على آخر كلامي، فقالوا ما هو؟ فقال " إلا شريك هو لك تملكه وما يملك " ألا ترون انه يملك الشريك وما ملكه فرضوا بذلك وكانوا يلبون بهذا قريش خاصة فلما بعث الله رسوله فأنكر ذلك عليهم وقال هذا شرك، فأنزل الله " ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فانتم فيه سواء " اي ترضون انتم فيما تملكون ان يكون لكم فيه شريك فاذا لم ترضوا انتم ان يكون لكم فيما تملكونه شريك فكيف ترضون ان تجعلوا لي شريكا فيما املك وقوله (فاقم وجهك للدين حنيفا) أي طاهرا، اخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن محمد بن جمهور عن جعفر ابن بشير عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله " فاقم وجهك للدين حنيفا " قال هي الولاية، حدثنا الحسين بن علي بن زكريا قال:


الصفحة 155


حدثنا الهيثم بن عبدالله الرماني قال حدثنا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن ابيه عن جده محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في قوله (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال هو لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ولي الله إلى ههنا التوحيد أخبرنا أحمد بن إدريس عن احمد بن محمد عن محمد بن سنان عن حماد بن عثمان الناب وخلف بن حماد عن الفضيل بن يسار وربعي بن عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله تعالى " فاقم وجهك للدين حنيفا " قال: قم في الصلاة ولا تلتفت يمينا ولا شمالا.


وقال علي بن ابراهيم في قوله " فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) فانه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما بويع لابي بكر واستقام له الامر على جميع المهاجرين والانصار بعث إلي فدك فاخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) منها فجاءت فاطمة (عليها السلام) إلى ابي بكر، فقالت يا أبا بكر منعتني عن ميراثي من رسول الله وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله، فقال لها هاتي على ذلك شهودا فجاءت بأم أيمن فقالت لا اشهد حتى احتج يا ابا بكر عليك بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت أنشدك الله، ألست تعلم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال إن أم أيمن من اهل الجنة؟ قال بلى، قالت فأشهد ان الله أوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) " فآت ذا القربى حقه " فجعل فدك لفاطمة بأمر الله وجاء علي (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك فكتب لها كتابا بفدك ودفعه اليها فدخل عمر فقال ما هذا الكتاب؟ فقال ابوبكر: إن فاطمة ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي فكتبت لها بفدك، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزقه (1) وقال هذا فئ المسلمين وقال اوس


____________


(1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 101 والسيرة الحلبية = (*)

الصفحة 156


ابن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بانه قال: إنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة فان عليا زوجها يجر إلى نفسه، وأم أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه، فخرجت فاطمة (عليها السلام) من عندهما باكية حزينة فلما كان بعد هذا جاء علي (عليه السلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والانصار، فقال يا ابا بكر ! لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ابوبكر: هذا فئ المسلمين فان أقامت شهودا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعله لها وإلا فلا حق لها فيه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يا ابا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال لا قال فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال فاذا كان في يدي شئ وادعى فيه المسلمون فتسألني البينة على ما في يدي ! وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده ولم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوا علي شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم ! فسكت ابوبكر ثم قال عمر يا علي دعنا من كلامك فانا لا نقوى على حججك فان أتيت بشهود عدول وإلا فهو فئ المسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه.


فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يا ابا بكر تقرأ كتاب الله؟ قال نعم قال فاخبرني عن قول الله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا فيمن نزلت أفينا أم في غيرنا؟ قال بل فيكم قال فلو أن شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا؟ قال كنت اقيم عليها الحد كما اقيم على سائر المسلمين قال كنت إذا عند الله من الكافرين، قال: ولم؟ قال: لانك رددت شهادة الله لها


____________


التالي ص 221/371 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...