أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الثاني 2 · صفحة 361 من 371
صفحة
القرين) (2) فقال الله لنبيه قل لفلان وفلان واتباعهما (لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ـ آل محمد حقهم ـ انكم في العذاب مشتركون) ثم قال الله لنبيه (أفانت تسمع الصم او تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون) يعنى من فلان ثم اوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) (فاستمسك بالذي اوحي اليك في علي انك على صراط مستقيم) يعني انك على ولاية علي وعلي هو الصراط المستقيم، حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا يحيى بن زكريا عن علي بن حسان عن عبدالرحمن بن كثير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له قوله: (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) فقال الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤلون
____________
(1) وفى المصحف: ان هو الا عبد انعمنا عليه (2) الزخرف الآية 38 (*)
الصفحة 287
(ولا يصدنكم الشيطان) يعنى فلانا لا يصدنك عن امير المؤمنين (انه لكم عدو مبين) قوله (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) يعنى الاصدقاء يعادي بعضهم بعضا، وقال الصادق (عليه السلام) ألا كل خلة كانت في الدنيا في غير الله فانها تصير عداوة يوم القيامة وقال امير المؤمنين (عليه السلام): وللظالم غدا بكفه (يكفيه عضة يديه ط) عضة وللرجل وشيك وللاخلاء ندامة إلا المتقين.
أخبرنا احمد بن ادريس عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب بن يعقوب عن ابي اسحاق عن الحارث عن علي (عليه السلام) قال في خليلين مؤمنين وخليلين كافرين ومؤمن غني ومؤمن فقير وكافر غني وكافر فقير، فاما الخليلان المؤمنان فتخالا حياتهما في طاعة الله وتباذلا عليها وتوادا عليها فمات أحدهما قبل صاحبه فاراه الله منزله في الجنة يشفع لصاحبه، فقال يا رب خليلي فلان كان يأمرني بطاعتك ويعينني عليها وينهاني عن معصيتك فثبته على ما ثبتني عليه من الهدى حتى تريه ما أريتني فيستجيب الله له حتى يلتقيا عند الله عزوجل فيقول كل واحد منهما لصاحبه جزاك الله من خليل خيرا كنت تأمرني بطاعة الله وتنهاني عن معصية الله، واما الكافران فتخالا بمعصية الله وتباذلا عليها وتوادا عليها فمات أحدهما قبل صاحبه فاراه الله تبارك وتعالى منزله في النار فقال يا رب فلان خليلي كان يأمرني بمعصيتك وينهاني عن طاعتك فثبته على ما ثبتني عليه من المعاصي حتى تريه ما اريتني من العذاب فيلتقيان عند الله يوم القيامة يقول كل واحد منهما لصاحبه جزاك الله من خليل شرا كنت تأمرني بمعصية الله وتنهاني عن طاعة الله قال ثم قرأ (عليه السلام) " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " ويدعى بالمؤمن الغنى يوم القيامة إلى الحساب يقول الله تبارك وتعالى عبدي ! قال: لبيك يا رب قال ألم اجعلك سميعا وبصيرا وجعلت لك مالا كثيرا؟ قال: بلى يا رب، قال: فما أعددت للقائي؟ قال: آمنت بك وصدقت رسولك
الصفحة 288
وجاهدت في سبيلك، قال: فماذا فعلت فيما آتيتك؟ قال: انفقت في طاعتك، قال: ماذا اورثت في عقبك؟ قال: خلقتني وخلقتهم ورزقتني ورزقتهم وكنت قادرا على ان ترزقهم كما رزقتني فوكلت عقبي اليك، فيقول الله عزوجل صدقت اذهب فلو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا.
ثم يدعى بالمؤمن الفقير فيقول يا عبدى ! فيقول لبيك يا رب فيقول ماذا فعلت فيقول يا رب هديتنى لدينك وأنعمت علي وكففت عني ما لو بسطته لخشيت ان يشغلني عما خلقتنى له، فيقول الله عزوجل صدقت عبدي لو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا، ثم يدعى بالكافر الغني فيقول ما اعددت للقائي؟ فيعتل، فيقول: ماذا فعلت فيما آتيتك؟ فيقول ورثته عقبي فيقول من خلقك؟ فيقول انت فيقول من خلق عقبك؟ فيقول انت، فيقول: ألم أك قادرا على ان ارزق عقبك كما رزقتك؟ فان قال نسيت، هلك، وان قال لم أدر ما انت هلك، فيقول الله عزوجل لو تعلم ما لك عندي لبكيت كثيرا، قال ثم يدعى بالكافر الفقير فيقول يا بن آدم ما فعلت فيما أمرتك؟ فيقول: ابتليتني ببلاء الدنيا حتى أنسيتني ذكرك وشغلتني عما خلقتني له، فيقول له فهلا دعوتني فأرزقك وسألتني فأعطيك؟ فان قال يا رب نسيت هلك، وان قال: لم أدر ما انت هلك، فيقول له: لو تعلم ما لك عندي لبكيت كثيرا.
قال علي بن ابراهيم في قوله (الذين آمنوا بآياتنا) يعني بالائمة (وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة انتم وازواجكم تحبرون) اي تكرمون (يطاف عليهم بصحاف من ذهب واكواب) أي قصاع وأواني (وفيها ما تشتهيه الانفس ـ إلى قوله ـ منها تأكلون) فانه محكم، واخبرني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابن يسار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الرجل في الجنة يبقى على مائدته ايام الدنيا ويأكل في اكلة واحدة بمقدار ما اكله في الدنيا، ثم ذكر الله ما أعده لاعداء آل محمد فقال:
الصفحة 289
(ان المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبسلون) اي آيسون من الخير فذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " واما اهل المعصية فخلدوا في النار، وأوثق منهم الاقدام، وغل منهم الايدي إلى الاعناق، وألبس اجسادهم سرابيل القطران وقطعت لهم مقطعات من النار، هم في عذاب قد اشتد حره ونار قد اطبق على أهلها، فلا يفتح عنهم أبدا، ولا يدخل عليهم ريح أبدا، ولا ينقضي منهم الغم أبدا والعذاب أبدا شديد والعقاب أبدا جديد، لا الدار زائلة فتفنى ولا آجال القوم تقضى ".
ثم حكى نداء اهل النار فقال ونادوا (يا مالك ليقض علينا ربك) قال اي نموت فيقول مالك (انكم ماكثون) ثم قال الله (لقد جئناكم بالحق) يعنى بولاية امير المؤمنين (عليه السلام) (ولكن اكثركم للحق كارهون) والدليل على ان الحق ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: " وقل الحق من ربكم ـ يعني ولاية علي ـ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ـ آل محمد حقهم ـ نارا " ثم ذكر على أثر هذا خبرهم وما تعاهدوا عليه في الكعبة أن لا يردوا الامر في اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (أم ابرموا امرا فانا مبرمون ـ إلى قوله ـ لديهم يكتبون) وقوله (قل إن كان للرحمن ولد فانا اول العابدين) يعنى اول القائلين لله ان يكون له ولد وقوله (وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله) قال هو إله في السماء والارض، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن الحسين عن الحسن ابن محبوب عن علي بن رياب عن منصور عن أبي اسامة قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن قوله عزوجل " وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله " فنظرت والله اليه وقد لزم الارض وهو يقول: والله عزوجل الذي هو والله ربي في السماء إله وفي الارض إله وهو الله عزوجل.
وقال علي بن ابراهيم: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) قال:
الصفحة 290
هم الذين قد عبدوا في الدنيا لا يملكون الشفاعة لمن عبدهم ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يا رب ان هؤلاء قوم لا يؤمنون) فقال الله: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون).
سورة الدخان مكية آياتها تسع وخمسون (بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين إنا أنزلناه) يعني القرآن (في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) وهي ليلة القدر انزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول (ثلاث ط) عشرين سنة (فيها يفرق) في ليلة القدر (كل امر حكيم) أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل وما يكون في تلك السنة وله فيه البدا والمشية يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الآجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء ويلقيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويلقيه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الائمة (عليهم السلام) حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، ويشترط له ما فيه البدا والمشية والتقديم والتأخير.
قال: حدثني بذلك أبي عن ابن ابي عمير عن عبدالله بن مسكان عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام)، قال. وحدثني أبي عن ابن أبي عمير عن يونس عن داود بن فرقد عن أبي المهاجر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال.
يا ابا المهاجر ! لا تخفى علينا ليلة القدر ان الملائكة يطوفون بنا فيها ثم قال (بل هم في شك يلعبون) يعني في شك مما ذكرناه مما يكون في ليلة القدر وقوله (فارتقب) أي اصبر (يوم تأتي السماء بدخان مبين) قال: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر (يغشى الناس كلهم) الظلمة فيقولون (هذا عذاب اليم ربنا اكشف عنا
الصفحة 291
العذاب إنا مؤمنون) فقال الله ردا عليهم (أنى لهم الذكرى) في ذلك اليوم (وقد جاءهم رسول مبين) أي رسول قد تبين لهم (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون) قال قالوا ذلك لما نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذه الغشي فقالوا هو مجنون ثم قال (انا كاشفوا العذاب قليلا انكم عائدون) يعني إلى يوم القيامة، ولو كان قوله " يوم تأتي السماء بدخان مبين " في القيامة لم يقل انكم عائدون لانه ليس بعد الآخرة والقيامة حالة يعودون اليها ثم قال (يوم نبطش البطشة الكبرى) يعنى في القيامة (إنا منتقمون) وقوله (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) أي اختبرناهم (وجاءهم رسول كريم ان أدوا إلى عباد الله) أي ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والاحكام. فاوحى الله اليه (فاسر بعبادي ليلا انكم متبعون) أي يتبعكم فرعون وجنوده (واترك البحر رهوا) أي جانبا وخذ على الطرف (انهم جند مغرقون) وقوله (ومقام كريم) أي حسن (ونعمة كانوا فيها فاكهين) قال: النعمة في الابدان وقوله: " فاكهين " أي مفاكهين للنساء (كذلك أورثناها قوما آخرين) يعني بني إسرائيل.
قوله: (فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين) قال: حدثنى أبي عن حنان بن سدير عن عبدالله بن الفضيل الهمداني عن ابيه عن جده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: مر عليه رجل عدو لله ولرسوله، فقال: " وما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " ثم مر عليه الحسين بن علي (عليهما السلام) فقال: لكن هذا ليبكين عليه السماء والارض، وقال: وما بكت السماء والارض إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي (عليهما السلام)، قال: حدثنى أبي عن الحسن بن محبوب عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي ابن الحسين (عليه السلام) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي (عليهما السلام) دمعة حتى تسيل على خده بواه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا وأيما مؤمن
الصفحة 292
دمعت عيناه دمعا حتى تسيل على خده لاذى مسنا من عدونا في الدنيا بواه الله مبوء صدق في الجنة، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل دمعه على خديه من مضاضة (1) ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الاذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار، قال: وحدثنى ابي عن بكر بن محمد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: من ذكرنا او ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.
وقوله: (ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين ـ إلى قوله ـ على العالمين) فلفظه عام ومعناه خاص وإنما اختارهم وفضلهم على عالمي زمانهم قوله:
(يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) قال: من والى غير أولياء الله لا يغني بعضهم عن بعض، ثم استثنى من والى آل محمد فقال (إلا من رحم الله انه هو العزيز الرحيم) ثم قال: (ان شجرة الزقوم طعام الاثيم) نزلت في أبي جهل وقوله:
(كالمهل) قال المهل الصفر المذاب (يغلي في البطون كغلي الحميم) وهو الذي قد حمي وبلغ المنتهى ثم قال: (خذوه فاعتلوه) أي اضغطوه من كل جانب ثم انزلوا به (إلى سواء الجحيم) ثم يصب عليه ذلك الحميم ثم يقال له (ذق انك انت العزيز الكريم) فلفظه خبر ومعناه حكاية عمن يقول له ذلك وذلك ان أبا جهل كان يقول: أنا العزيز الكريم، فتعير بذلك في النار ثم وصف ما اعده الله للمتقين من شيعة امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: (إن المتقين في مقام امين ـ إلى قوله ـ إلا الموتة الاولى) يعنى في الجنة غير الموتة التي في الدنيا (ووقاهم عذاب الجحيم ـ إلى قوله ـ فارتقب انهم مرتقبون) أي انتظر انهم منتظرون.
حدثنا سعيد بن محمد قال: حدثنا بكر بن سهيل عن عبد الغنى بن سعيد
____________
(1) أي الشدة. (*)
الصفحة 293
عن موسى بن عبدالرحمن عن ابن جريح عن عطا عن ابن عباس في قوله (فانما يسرناه بلسانك) يريد ما يسر من نعمة الجنة وعذاب النار يا محمد (لعلهم يتذكرون) يريد لكي يتعظ المشركون (فارتقب انهم مرتقبون) تهديد من الله ووعيد وانتظر انهم منتظرون.
سورة الجاثية مكية آياتها سبع وثلاثون (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين) وهي النجوم والشمس والقمر وفي الارض ما يخرج منها من أنواع النبات للناس والدواب (لآيات لقوم يعقلون) قوله:
(وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) أي تجئ من كل جانب وربما كانت حارة وربما كانت باردة ومنها ما يسير السحاب ومنها ما يبسط الرزق في الارض ومنها ما يلقح الشجرة وقوله: (ويل لكل أفاك أثيم) اي كذاب (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا) أي يصر على انه كذب ويستكبر على نفسه (كأن لم يسمعها) وقوله: (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا) يعنى إذا رأى فوضع العلم مكان الرؤية وقوله: (هذا هدى) يعني القرآن هو تبيان قوله:
(والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز اليم) قال: الشدة والسوء ثم قال: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك) أي السفن فيه ثم قال: (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه) يعني ما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والمطر وقوله: " وانزل من السماء ماء " هو المطر الذي يأتينا في وقته وحينه الذي ينفع به في الزروع وغيرها وقوله: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قال يقول الائمة الحق لا تدعوا على ائمة الجور حتى يكون الله
الصفحة 294
الذي يعاقبهم في قوله: (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون).
حدثنا ابوالقاسم قال: حدثنا محمد بن عباس قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، قال: حدثنا عمر بن رشيد عن داود بن كثير عن ابي عبدالله (عليه السلام) في قوله الله عزوجل (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قال قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا ان يغفروا للذين لا يعلمون فاذا عرفوهم فقد غفروا لهم، حدثنا سعيد بن محمد قال: حدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا عبد الغني بن سعيد قال: حدثنا موسى بن عبدالرحمن عن ابن جريح عن عطا عن ابن عباس في قوله: (من عمل صالحا فلنفسه) يريد المؤمنين (ومن أساء فعليها) يريد المنافقين والمشركين (ثم إلى ربكم ترجعون) يريد اليه تصيرون.
وقال علي بن ابراهيم في قوله (ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ـ إلى قوله ـ لن يغنوا عنك من الله شيئا) فهذا تأديب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والمعنى لامته وقوله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال: نزلت في قريش كلما هووا شيئا عبدوه (وأضله الله على علم) أي عذبه على علم منه فيما ارتكبوا من من امير المؤمنين (عليه السلام) وجرى ذلك بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فعلوه بأهوائهم وآرائهم وأزالوهم واما لوا الخلافة والامامة عن امير المومنين بعد اخذ الميثاق عليهم مرتين لامير المومنين وقوله (اتخذ إلهه هواه) نزلت في قريش وجرت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الذين غصبوا أمير المؤمنين (عليه السلام) واتخذوا إماما بأهوائهم والدليل على ذلك قوله:
" ومن يقل منهم اني إله من دونه " قال من زعم انه إمام وليس بامام فمن اتخذ إماما ففضله على علي (عليه السلام).
ثم عطف على الدهرية الذين قالوا لا نحيا بعد الموت فقال (وقالوا ما هي إلا حيوتنا الدنيا نموت ونحيا) وهذا مقدم ومؤخر لان الدهرية لم يقروا بالبعث
الصفحة 295
ولا النشور بعد الموت وإنما قالوا نحيا ونموت (وما يهلكنا إلا الدهر ـ إلى قوله ـ يظنون) فهذا ظن شك ونزلت هذه الآية في الدهرية وجرت في الذين فعلوا ما فعلوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بامير المؤمنين واهل بيته (عليهم السلام) وإنما كان إيمانهم إقرارا بلا تصديق خوفا من السيف ورغبة في المال، ثم حكى عزوجل قول الدهرية فقال (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا ان قالوا ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين) أي انكم تبعثون بعد الموت فقال الله (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون) وقوله (ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون) الذين ابطلوا دين الله وقوله (وترى كل امة جاثية) أي على ركبها (كل امة تدعى إلى كتابها) قال إلى ما يجب عليهم من أعمالهم ثم قال: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) الآيتان محكمتان.
حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري عن الحسن بن علي اللؤلؤي عن الحسن بن ايوب عن سليمان بن صالح عن رجل عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، قال له ان الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب قال الله هذا بكتابنا ينطق عليكم بالحق، فقلت: إنا لا نقرأها هكذا فقال هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد ولكنه فيما حرف من كتاب الله، وقال علي بن ابراهيم في قوله (وقيل اليوم ننساكم) أي نترككم فهذا نسيان الترك (كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بانكم اتخذتم آيات الله هزوا) وهم الائمة أي كذبتموهم واستهزأتم بهم (فاليوم لا يخرجون منها) يعني من النار (ولا هم يستعتبون) أي لا يجاوبون ولا يقبلهم الله (فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين وله الكبرياء) يعني القدرة (في السموات والارض وهو العزيز الحكيم).
الصفحة 296
سورة الاحقاف مكية آياتها خمس وثلاثون (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ـ إلى قوله ـ والذين كفروا عما انذروا معرضون) يعني قريشا عما دعاهم اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو معطوف على قوله " فان أعرضوا فقل أنذرتكم ـ إلى قوله ـ عاد وثمود " ثم احتج الله عليهم فقال: قل لهم ـ يا محمد ـ (أرأيتم ما تدعون من دون الله) يعنى الاصنام التي كانوا يعبدونها (أروني ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات ايتوني بكتاب من قبل هذا او أثارة من علم إن كنتم صادقين) ثم قال: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيمة ـ إلى قوله ـ بعبادتهم كافرين) قال: من عبد الشمس والقمر والكواكب والبهائم والشجر والحجر إذا حشر الناس كانت هذه الاشياء لهم أعداءا وكانوا بعبادتهم كافرين ثم قال: (أم يقولون ـ يا محمد ـ افتراه) يعني القرآن أي وضعه من عنده فقل لهم: (ان افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا) ان أثابني او عاقبني على ذلك هو (أعلم بما تفيضون فيه) أي تكذبون (كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم) ثم قال: (قل ـ لهم يا محمد ـ ما كنت بدعا من الرسل) أي لم اكن واحدا من الرسل فقد كان قبلي أنبياء كثير وقوله (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ـ إلى قوله ـ على مثله) قال قل إن كان القرآن من عند الله (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) قال: الشاهد (1) أمير المؤمنين (عليه السلام) والدليل عليه في سورة هود أفمن كان على
____________
(1) لعل مراده في غير هذه الآية والا لفظة " من بني إسرائيل " آبية عن هذا المعنى. ج. ز (*)
الصفحة 297
بينة من ربه ويتلوه شاهد منه يعنى امير المؤمنين (عليه السلام) وقوله: (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قال استقاموا على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وقوله (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا) قال: الاحسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله (بوالديه) إنما عنى الحسن والحسين (عليهما السلام) ثم عطف على الحسين (عليه السلام) فقال: (حملته امه كرها ووضعته كرها) وذلك ان الله اخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبشره بالحسين (عليه السلام) قبل حمله وان الامامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ثم اخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ثم عوضه بان جعل الامامة في عقبه وأعلمه انه يقتل ثم يرده إلى الدنيا وينصره حتى يقتل اعداءه ويملكه الارض وهو قوله " ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض " الآية، قوله: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون " فبشر الله نبيه (صلى الله عليه وآله) ان اهل بيتك يملكون الارض ويرجعون إلى الدنيا ويقتلون اعداءهم واخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) بخبر الحسين وقتله فحملته كرها، ثم قال ابوعبدالله (عليه السلام): فهل رأيتم احدا يبشر بولد ذكر فتحمله كرها أي انها اغتمت وكرهت لما اخبرها بقتله، ووضعته كرها لما علمت من ذلك وكان بين الحسن والحسين (عليهما السلام) طهر واحد وكان الحسين (عليه السلام) في بطن امه ستة اشهر وفصاله اربعة وعشرون شهرا وهو قول الله:
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.
وقوله: (والذي قال لوالديه اف لكما أتعداننى ان اخرج ـ إلى قوله ـ ما هذا إلا اساطير الاولين) قال نزلت في عبدالرحمن بن ابي بكر، حدثنى العباس ابن محمد قال حدثنى الحسن بن سهل باسناد رفعه إلى جابر بن يزيد عن جابر بن عبدالله قال: ثم اتبع الله جل ذكره مدح الحسين بن علي (عليهما السلام) بذم عبدالرحمن بن ابى بكر قال جابر بن يزيد نقلت هذا الحديث لابى جعفر (عليه السلام)
الصفحة 298
فقال ابوجعفر (ع يا جابر والله لو سبقت الدعوة من الحسين " وأصلح لي ذريتي " لكان ذريته كلهم أئمة ولكن سبقت الدعوة اصلح لي في ذريتي فمنهم الائمة (عليهم السلام) واحد فواحد فثبت الله بهم حجته قال علي بن ابراهيم في قوله (ويوم يعرض الذين كفروا على النار اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا واستمتعتم بها) قال اكلتم وشربتم ولبستم وركبتم وهي في بني فلان (فاليون تجزون عذاب الهون) قال العطش (بما كنتم تستكبرون في الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) وقوله (واذكر اخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف) والاحقاف بلاد عاد من الشقوق إلى الاجفر وهي اربعة منازل.
قال: حدثني أبى قال أمر المعتصم ان يحفر بالبطائية (البطانية ط) بئر فحفروا ثلاثمائة قامة فلم يظهر الماء فتركه ولم يحفره فلما ولى المتوكل أمر أن يحفر ذلك البئر أبدا حتى يبلغ الماء، فحفروا حتى وضعوا في كل مائة قامة بكرة حتى انتهوا إلى صخرة فضربوها بالمعول فانكسرت فخرج منها ريح باردة فمات من كان بقربها. فاخبروا المتوكل بذلك فلم يعلم بذلك ما ذاك، فقالوا: سل ابن الرضا عن ذلك وهو ابوالحسن علي بن محمد (عليهما السلام) فكتب اليه يسأل عن ذلك؟ فقال ابوالحسن (عليه السلام) تلك بلاد الاحقاف وهم قوم عاد الذين اهلكهم الله بالريح الصرصر.
ثم حكى الله قوم عاد (قالوا أجئتنا لتأفكنا) أي تزيلنا بكذبك عما كان يعبد آباؤنا (فاتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت من الصادقين) وكان نبيهم هود وكانت بلادهم كثيرة الخير خصبة. فحبس الله عنهم المطر سبع سنين حتى اجدبوا وذهب خيرهم من بلادهم، وكان هود يقول لهم ما حكى الله في سورة هود (استغفروا ربكم ثم توبوا اليه ـ إلى قوله ـ ولا تتولوا مجرمين) فلم يؤمنوا وعتوا فاوحى الله إلى هود انه يأتيهم العذاب في وقت كذا وكذا وريح فيها
الصفحة 299
عذاب اليم، فلما كان ذلك الوقت نظروا إلى سحاب قد أقبلت ففرحوا فقالوا: (هذا عارض ممطرنا) الساعة يمطر فقال لهم هود (بل هو ما استعجلتم به) في قوله إئتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شئ بامر ربها) فلفظه عام ومعناه خاص لانها تركت أشياء كثيرة لم تدمرها وإنما دمرت مالهم كله فكان كما قال الله (فاصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) وكل هذه الاخبار من هلاك الامم تخويف وتحذير لامة محمد (صلى الله عليه وآله) وقوله: (ولقد مكناهم فيما ان مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة) أي قد اعطيناهم فكفروا فنزل بهم العذاب فاحذروا ان ينزل بكم ما نزل بهم ثم خاطب الله قريشا فقال (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات) أي بينا وهي بلاد عاد وقوم صالح وقوم لوط ثم قال احتجاجا عليهم (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم) أي بطلوا (وذلك إفكهم) أي كذبهم (وما كانوا يفترون).
وقوله: (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون ـ إلى قوله ـ اولئك في ضلال مبين) فهذا كله حكاية عن الجن وكان سبب نزول هذه الآية ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه يزيد بن حارثة يدعو الناس إلى الاسلام فلم يجبه أحد ولم يجد من يقبله، ثم رجع إلى مكة فلما بلغ موضعا يقال له وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به نفر من الجن فلما سمعوا قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) استمعوا له فلما سمعوا قراءته قال بعضهم لبعض (انصتوا) يعني اسكتوا (فلما قضي) أي فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من القراءة (ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا به ـ إلى قوله ـ اولئك في ضلال مبين) فجاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسلموا وآمنوا وعلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) شرائع الاسلام، فانزل الله على نبيه
الصفحة 300
" قل اوحي إلي انه استمع نفر من الجن " السورة كلها فحكى الله قولهم وولى عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم كانوا يعودون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل وقت فامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) ان يعلمهم ويفقههم فمنهم مؤمنون ومنهم كافرون وناصبون ويهود ونصارى ومجوس وهم ولد الجان، وسئل العالم (عليه السلام) عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة؟ فقال لا ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة.
ثم احتج الله على الدهرية فقال: (أولم يروا ان الله الذي خلق السموات والارض ولم يعي بخلقهن بقادر على ان يحيي الموتى بلى أنه على كل شئ قدير) ثم أدب الله نبيه (صلى الله عليه وآله) بالصبر فقال (فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل) وهو نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم (عليهم السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله)، ومعنى اولي العزم انهم سبقوا الانبياء إلى الاقرار بالله والاقرار بكل نبي كان قبلهم وبعدهم وعزموا على الصبر مع التكذيب والاذى (1) ثم قال (ولا تستعجل لهم) يعني العذاب (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ) قال يرون يوم القيامة انهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار (بلاغ) أي ابلغهم ذلك (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون).
سورة محمد (صلى الله عليه وآله) مدنية آياتها ثمان وثلاثون (بسم الله الرحمن الرحيم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) نزلت في الذين ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغصبوا أهل بيته حقهم وصدوا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن ولاية الائمة (عليهم السلام) أضل اعمالهم أي ابطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجهاد والنصرة.