تفسير القمي

أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الثاني 2 · صفحة 98 من 371

صفحة
[صفحة 98]
(2) الخامة: الغضة من النبات. مجمع (3) راجع صحيح البخاري 3 / 35 باب غزوة خيبر و 2 / 116، صحيح مسلم 2 / 92، شرح البخاري للعيني 8 / 323، فيض الباري ص 98، مسند احمد 1 / 4، الصواعق ص 31 شرح ابن ابي الحديد 4 / 101 و 3 / 86، تفسير الرازي 3 / 230 و 8 / 386، تفسير النيشابوري على هامش تفسير ابن جرير 4 / 197 إزالة الخفاء 2 / 30، كنز العمال 3 / 125، وفاء الوفا 2 / 160 فتوح البلدان ص 38 معجم البلدان 6 / 343، السيرة الحلبية 3 / 400 وغيرها من كتب التاريخ والسير. ج. ز (*)


الصفحة 159


السلام وتقول ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج أنى لك من الناصحين، فقال علي (عليه السلام) قولى لها ان الله يحيل بينهم وبين ما يريدون.


ثم قام وتهيأ للصلاة وحضر المسجد ووقف خلف ابى بكر وصلى لنفسه وخالد بن الوليد إلى جنبه ومعه السيف فلما جلس ابوبكر في التشهد ندم على ما قال وخاف الفتنة وشدة على وبأسه فلم يزل متفكرا لا يجسر ان يسلم حتى ظن الناس انه قدسها، ثم التفت إلى خالد فقال يا خالد لا تفعل ما أمرتك به السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال امرنى بضرب عنقك، قال وكنت تفعل؟ قال إي والله لولا انه قال لي لا تفعل لقتلتك بعد التسليم، قال فأخذه علي (عليه السلام) فضرب به الارض واجتمع الناس عليه فقال عمر يقتله ورب الكعبة فقال الناس يا ابا الحسن الله الله بحق صاحب هذا القبر فخلى عنه، قال فالتفت إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال يابن الصهاك لولا عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتاب من الله سبق لعلمت أينا اضعف ناصرا واقل عددا ثم دخل منزله.


وقوله: (وما آتيتم من ربا ليربوا في اموال الناس فلا يربوا عند الله) فانه حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال قال ابوعبدالله (عليه السلام): الربا رباءان احدهما حلال والآخر حرام فاما الحلال فهو ان يقرض الرجل اخاه قرضا طمعا ان يزيده ويعوضه بأكثر مما يأخذه بلا شرط بينهما فان اعطاه اكثر مما اخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له وليس له عند الله ثواب فيما اقرضه وهو قوله " فلا يربوا عند الله " واما الربا الحرام فالرجل يقرض قرضا ويشترط ان يرد اكثر مما اخذه فهذا هو الحرام وقوله (وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون) اي ما بررتم به اخوانكم واقرضتموهم لا طمعا في زيادة، وقال الصادق (عليه السلام): على باب الجنة مكتوب القرض


الصفحة 160


بثمانية عشرة والصدقة بعشرة، ثم ذكر عزوجل عظيم قدرته وتفضله على خلقه فقال (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) اي ترفعه (فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا) قال بعضه على بعض (فترى الودق) اي المطر (يخرج من خلاله ـ إلى قوله ـ لمبلسين) اي آيسين (فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الارض بعد موتها ان ذلك لمحي الموتى) وهو رد على الدهريه وقوله (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس) قال في البر فساد الحيوان إذا لم يمطر وكذلك هلاك دواب البحر بذلك وقال الصادق (عليه السلام) حياة دواب البحر بالمطر فاذا كف المطر ظهر الفساد في البر والبحر وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصى اخبرنا احمد بن إدريس قال حدثنا احمد بن محمد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن ميسر عن ابي جعفر (عليه السلام) قال قلت: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس، قال ذلك والله يوم قالت الانصار منا رجل ومنكم رجل.


وقال على بن ابراهيم في قوله (الله الذي خلقكم من ضعف) يعني من نطفة منتنة ضعيفة (ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا) وهو الكبر وقوله (قال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) فان هذه الآية مقدمة ومؤخرة وإنما هي " وقال الذين اوتوا العلم والايمان في (من ط) كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث) وقوله (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) أي لا يغضبنك، قال كان علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يصلي وابن الكوا خلفه وأمير المؤمنين (عليه السلام) يقرأ، فقال ابن الكوا " ولقد اوحي اليك وإلي الذين من قبلك لان أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فسكت أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى سكت ابن الكوا ثم عاد في قراءته حتى فعل ابن الكوا ثلاث مرات فلما كان في الثالثة قال امير المؤمنين (عليه السلام) " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ".


الصفحة 161


سورة لقمان مكية آياتها اربع وثلاثون (بسم الله الرحمن الرحيم ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون اولئك على هدى من ربهم) أي على بيان من ربهم (واولئك هم المفلحون) وقوله (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) قال: الغناء وشرب الخمر وجميع الملاهي (ليضل عن سبيل الله بغير علم) قال: يحيد بهم عن طريق الله، وفي رواية ابي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله " ومن الناس من يشتري لهو الحديث... الخ " فهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلده من بني عبد الدار بن قصي وكان النضر راويا لاحاديث الناس وأشعارهم، يقول الله عزوجل: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم) وقوله (وبث فيها من كل دابة) يقول جعل فيها من كل دابة وقوله (وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) يقول من كل لون حسن والزوج اللون الاصفر والاخضر والاحمر والكريم الحسن، أخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن علي بن محمد عن بكر بن صالح عن جعفر بن يحيى عن علي بن (القصير ط) النضر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت جعلت فداك قوله (ولقد آتينا لقمن الحكمة) قال اوتي معرفة إمام زمانه.


وقال علي بن ابراهيم في قوله (هذا خلق الله) أي مخلوق الله لان الخلق هو الفعل والفعل لا يرى وإنما أشار إلى المخلوق وإلى السماء والارض والجبال وجميع الحيوان فأقام الفعل مقام المفعول وقوله (ولقد آتينا لقمن الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني حميد) فانه حدثني


الصفحة 162


أبي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حماد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن لقمان (1) وحكمته التي ذكرها الله عزوجل، فقال: أما والله ما اوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال ولكنه كان رجلا قويا في أمر الله متورعا في الله ساكتا سكينا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستعيرا بالعبر لم ينم نهارا قط ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعمق نظره وتحفظه في أمره ولم يضحك من شئ قط مخافة الاثم، ولم يغضب قط ولم يمازح إنسانا قط ولم يفرح بشئ ان أتاه من أمر الدنيا ولا حزن منها على شئ قط، وقد نكح من النساء وولد له من الاولاد الكثيرة وقدم اكثرهم إفراطا، فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمر برجلين يختصمان او يقتتلان إلا أصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى يحابا، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يغشي القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة ما ابتلوا به ويرحم الملوك والسلاطين لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان فكان يداوي قلبه بالفكر ويداوي نفسه بالعبر وكان لا يظعن إلا فيما ينفعه فبذلك اوتي الحكمة ومنح العصمة، فان


____________


(1) الاظهر ان لقمان لم يكن نبيا وكان حكيما وقيل كان نبيا، وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وكان ابن اخت ايوب او ابن خالته وقيل إنه عاش الف سنة وأدرك داود (عليه السلام) وأخذ منه العلم، وقيل إنه دخل عليه وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد فأراد ان يسأل فأدركته الحكمة فسكت فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب انت، فقال لقمان: " الصمت من حكم وقليل فاعله ". (جامه الجوامع) ج. ز (*)

الصفحة 163


الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقايلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة في الارض تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: إن أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة لانه ان فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني وإن هو خيرني قبلت العافية فقالت الملائكة يا لقمان لم قلت ذلك؟ قال: لان الحكم بين الناس من اشد المنازل من الدين واكثرها فتنا وبلاءا ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان وصاحبه فيه بين أمرين ان اصاب فيه الحق فبالحري ان يسلم وان اخطأ اخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا كان اهون عليه في المعاد ان يكون فيه حكما سريا شريفا، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك، قال فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه، فلما امسى وأخذ مضجعه من الليل انزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاءا فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويثبتها فيها.


قال: فلما اوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان فأعطاه الله الخلافة في الارض وابتلي فيها غير مرة وكل ذلك يهوي في الخطأ يقبله الله ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود (عليه السلام) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه وكان داود يقول له: طوبى لك يا لقمان اوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية واعطي داود الخلافة وابتلي بالحكم والفتنة.


ثم قال ابوعبدالله (عليه السلام): (وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) قال فوعظ لقمان لابنه بآثار حتى تفطر وانشق وكان فيما وعظه به يا حماد ! ان قال: يا بني انك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها


الصفحة 164


واستقبلت الآخرة فدار أنت اليها تسير أقرب اليك من دار أنت عنها متباعد، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك لا تجادلهم فيمنعوك وخذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك وصم صوما يقطع شهوتك ولا تصم صوما يمنعك من الصلاة فان الصلاة أحب إلى الله من الصيام، يا بني إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الايمان واجعل شراعها التوكل واجعل زادك فيها تقوى الله، فان نجوت فبرحمة الله وان هلكت فبذنوبك، يا بني ان تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن غني بالادب اهتم به ومن اهتم به تكلف علمه ومن تكلف علمه اشتد طلبه ومن اشتد طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة، فانك تخلف في سلفك وتنفع به من خلفك ويرتجيك فيه راغب ويخشى صولتك راهب وإياك والكسل عنه والطلب لغيره فان غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة وإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم فانك لن تجد له تضييعا أشد من تركه، ولا تمارين فيه لجوجا ولا تجادلن فقيها ولا تعادين سلطانا، ولا تماشين ظلوما، ولا تصادقنه ولا تصاحبن فاسقا نطفا (1) ولا تصاحبن متهما، واخزن علمك كما تخزن ورقك (2)، يا بني خف الله خوفا لو أتيت القيامة ببر الثقلين خفت ان يعذبك وارج الله رجاءا لو وافيت القيامة باثم الثقلين رجوت أن يغفر لك.


فقال له ابنه يا أبت وكيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟ فقال له لقمان يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نورين نورا للخوف ونورا للرجاء


____________


(1) نطف ككتف: الرجل المريب.

(2) ورق مثلث الواو بسكون الراء: الدراهم المضروبة ج اوراق ووراق. ج. ز (*)

الصفحة 165


لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله، فان هذه الاخلاق تشهد بعضها لبعض فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا ومن عمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا ومن أطاع الله خافه ومن خافه فقد أحبه ومن أحبه اتبع أمره ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه نعوذ بالله من سخط الله، يا بني ! لا تركن إلى الدنيا ولا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها ألا ترى انه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين وقوله (ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن) يعني ضعفا على ضعف ثم قال (وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمها ـ إلى قوله ـ بما كنتم تعملون) وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله (واتبع سبيل من أناب إلي) يقول اتبع سبيل محمد (صلى الله عليه وآله).


قال علي بن ابراهيم ثم عطف على خبر لقمان وقصته فقال (يا بني انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السموات او في الارض يأت بها الله ان الله لطيف خبير) قال من الرزق يأتيك به الله وقوله (ولا تصعر خدك للناس) أي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم (ولا تمش في الارض مرحا) أي فرحا وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله " ولا تمش في الارض مرحا " أي بالعظمة وقال علي بن ابراهيم في قوله (واقصد في مشيك) أي لا تعجل (واغضض من صوتك) أي لا ترفعه (ان انكر الاصوات لصوت الحمير) وروي فيه غير هذا ايضا واما قوله (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) قال فانه حدثني أبي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن شريك عن جابر قال قرأ رجل عند أبي جعفر (عليه السلام) وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال اما النعمة الظاهرة


الصفحة 166


فهو النبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من معرفة الله عزوجل وتوحيده واما النعمة الباطنة فولايتنا اهل البيت وعقد مودتنا فاعتقد والله قوم هذه النعمة الظاهرة والباطنة، واعتقدها قوم ظاهرة ولم يعتقدوا باطنة، فانزل الله " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ففرح رسول الله عند نزولها إذ لم يتقبل الله تعالى إيمانهم إلا بعقد ولايتنا ومحبتنا وقوله (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) قال بالولاية وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) فهو النضر ابن الحارث قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتبع ما انزل اليك من ربك قال بل أتبع ما وجدت عليه آبائي وقوله (ولو ان ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم) وذلك ان اليهود سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الروح، فقال: الروح من أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا، قالوا نحن خاصة؟ قال بل الناس عامة قالوا فكيف يجتمع هذان يا محمد تزعم انك لم تؤت من العلم إلا قليلا وقد اوتيت القرآن واوتينا التوراة وقد قرأت: ومن يؤت الحكمة ـ وهي التوراة ـ فقد اوتي خيرا كثيرا، فانزل الله تعالى: ولو ان ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله يقول علم الله اكثر من ذلك وما اوتيتم كثير فيكم قليل عند الله.


وقال علي بن ابراهيم في قوله: " ولو ان ما في الارض من شجرة أقلام الآية " معنى ذلك ان علم الله اكثر من ذلك فاما ما آتاكم فهو كثير فيكم قليل في ما عند الله وقوله (ألم تر ان الفلك تجري في البحر بنعمت الله) قال السفن


الصفحة 167


تجري في البحر بقدرة الله، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) بلغنا والله اعلم انهم قالوا يا محمد خلقنا أطوارا نطفا ثم علقا ثم أنشأنا خلقا آخر كما تزعم وتزعم إنا نبعث في ساعة واحدة ! فقال الله ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إنما يقول له كن فيكون وقوله (ألم تر ان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) يقول ما ينقص من الليل يدخل في النهار وما ينقص من النهار يدخل في الليل وقوله: (وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى) يقول كل واحد منهما يجري إلى منتهاه لا يقصر عنه ولا يجاوزه، وقال علي بن ابراهيم في قوله (ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور) قال هو الذي يصبر على الفقر والفاقة ويشكر الله على جميع أحواله وقوله (وإذا غشيهم موج كالظلل) يعني في البحر (دعوا الله مخلصين له الدين ـ إلى قوله ـ فمنهم مقتصد) أي صالح (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور) قال الختار الخداع وقوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ـ إلى قوله ـ ان وعد الله حق) قال ذلك القيامة وقوله (ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ان الله عليم خبير) قال الصادق (عليه السلام) هذه الخمسة أشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي من صفات الله عزوجل.


سورة السجدة مكية ثلاثون آية (بسم الله الرحمن الرحيم ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه) أي لا شك فيه (من رب العالمين أم يقولون افتراه) يعني قريشا يقولون هذا كذب محمد فرد الله عليهم فقال (بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك


الصفحة 168


لعلهم يهتدون) قوله (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج اليه) يعني الامور التي يدبرها والامر والنهي الذي أمر به وأعمال العباد كل هذا يظهره يوم القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم الف سنة من سني الدنيا وقوله (الذي احسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين) قال هو آدم (عليه السلام) ثم جعل نسله أي ولده من سلالة وهو الصفو من الطعام والشراب (من ماء مهين) قال النطفة المني (ثم سواه) أي استحاله من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة حتى نفخ فيه الروح وقوله (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) فانه حدثني أبي عن ابن ابي عمير عن هشام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء رأيت ملكا من الملائكة بيده لوح من نور لا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين، فقلت من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا ملك الموت مشغول في قبض الارواح فقلت ادنيني منه يا جبرئيل لاكلمه، فأدناني منه فقلت له يا ملك الموت أكل من مات او هو ميت فيما بعد انت تقبض روحه؟ قال نعم قلت وتحضرهم بنفسك؟ قال نعم وما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لى ومكنني منها إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء وما من دار في الدنيا إلا وأدخلها في كل يوم خمس مرات وأقول إذا بكى اهل البيت على ميتهم لا تبكوا عليه فان لي اليكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفى بالموت طامة يا جبرئيل ! فقال جبرئيل إنما بعد الموت أطم وأعظم من الموت.


وقوله: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) قال لو شئنا أن نجعلهم كلهم معصومين لقدرنا وقوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم) أي تركناكم وقوله (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) فانه حدثني ابي عن عبدالرحمان بن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في


الصفحة 169


القرآن إلا صلاة الليل فان الله لم يبين ثوابها لعظم خطرها عنده فقال (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ـ إلى قوله ـ يعملون).


ثم قال إن لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة، فاذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمنين ملكا معه حلتان فينتهي إلى باب الجنة فيقول:


استأذنوا لي على فلان، فيقال له هذا رسول ربك على الباب، فيقول لازواجه أي شئ ترين علي أحسن؟ فيقلن يا سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك شيئا احسن من هذا قد بعث اليك ربك، فيتزر (1) بواحدة ويتعطف بالاخرى فلا يمر بشئ إلا أضاء له حتى ينتهى إلى الموعد فاذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فاذا نظروا اليه أي إلى رحمته (خروا سجدا) فيقول عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا عبادة قد رفعت عنكم المؤنة فيقولون يا رب وأي شئ أفضل مما أعطيتنا اعطيتنا الجنة، فيقول لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا، فيرى المؤمن في كل جمعة سبعين ضعفا مثل ما في يده وهو قوله " ولدينا مزيد " وهو يوم الجمعة انها ليلة غراء ويوم ازهر فاكثروا فيها من التسبيح والتهليل والتكبير والثناء على الله والصلاة على رسوله، قال فيمر المؤمن فلا يمر بشئ إلا أضاء له حتى ينتهي إلى أزواجه فيقلن والذي أباحنا الجنة يا سيدنا ما رأيناك أحسن منك الساعة فيقول اني قد نظرت إلى نور ربي، ثم قال: إن ازواجه لا يغرن ولا يحضن ولا يصلفن (2) قال الراوي قلت جعلت فداك اني اردت ان


____________


(1) ازر النبات: التف.

(2) ضلفت المرأة عند زوجها: لم تحظ عنده ومنه المثل " من يبغ في الدين يصلف " يعني من يطغى في الدين يسقط عن أعين الناس. ج. ز (*)

الصفحة 170


اسألك عن شئ أستحي منه، قال سل قلت جعلت فداك هل في الجنة غناء؟ قال إن في الجنة شجرة يأمر الله رياحها فتهب فتضرب تلك الشجرة بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها حسنا ثم قال: هذا عوض لمن ترك السماع للغناء في الدنيا من مخافة الله قال قلت: جعلت فداك زدني، فقال: إن الله خلق الجنة بيده ولم ترها عين ولم يطلع عليها مخلوق يفتحها الرب كل صباح فيقول ازدادي ريحا ازدادي طيبا وهو قول الله تعالى (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).


وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) قال فذلك ان علي بن أبي طالب (عليه السلام) والوليد بن عقبة بن أبي معيط تشاجرا فقال الفاسق الوليد بن عقبة: أنا والله أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا وأمثل منك جثوا في الكتيبة، قال علي (عليه السلام): اسكت فانما انت فاسق فأنزل الله (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون اما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون) فهو علي بن ابي طالب (عليه السلام).


وقال علي بن ابراهيم في قوله: (واما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ارادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها ـ إلى قوله ـ به تكذبون) قال: إن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما فاذا بلغوا اسفلها زفرت بهم جهنم فاذا بلغوا اعلاها قمعوا بمقامع الحديد فهذه حالهم.


واما قوله: (لنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر الآية) قال: العذاب الادنى عذاب الرجعة بالسيف ومعنى قوله: (لعلهم يرجعون) يعني فانهم يرجعون في الرجعة حتى يعذبوا وقوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا) قال: كان في علم الله انهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم أئمة، حدثنا حميد بن زياد قال: حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن طلحة


الصفحة 171


ابن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال الائمة في كتاب الله إمامان إمام عدل وإمام جور قال الله " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم قال " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " يقدمون امرهم قبل امر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلافا لما في كتاب الله، وقال علي بن ابراهيم في قوله (او لم يروا إنا نسوق الماء إلى الارض الجرز) قال الارض الخراب وهو مثل ضربه الله في الرجعة والقائم (عليه السلام) فلما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخبر الرجعة قالوا (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) وهذه معطوفة على قوله (ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر) فقالوا (متى هذا الفتح ان كنتم صادقين) فقال الله قل لهم (يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم ـ يا محمد ـ وانتظر انهم منتظرون) سورة الاحزاب مدنية ثلاث وسبعون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا ايها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما) وهذا هو الذي قال الصادق (عليه السلام): إن الله بعث نبيه باياك أعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله) والمعنى للناس وقوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الئ تظاهرون، منهن امهاتكم) وهو مع قوله في المجادلة " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ـ إلى قوله ـ ولدنهم ".


وفي رواية أبي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان ان الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب هذا ويبغض هذا فاما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه فمن أراد أن يعلم


الصفحة 172


حبنا فليمتحن قلبه فان شاركه في حبنا حب عدونا فليس منا ولسنا منه والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين.


وقال علي بن ابراهيم في قوله (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) قال: فانه حدثني أبي عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان سبب نزول ذلك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها ورأى زيدا يباع ورآه غلاما كيسا حصيفا (1) فاشتراه فلما نبأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاه إلى الاسلام فأسلم وكان يدعى زيد مولى محمد (صلى الله عليه وآله) فلما بلغ حارثة بن شراحبيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا، فأتى أبا طالب فقال يا ابا طالب ان ابني وقع عليه السبي وبلغني انه صار إلى ابن اخيك فسله اما ان يبيعه واما ان يفاديه واما ان يعتقه، فكلم ابوطالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو حر فليذهب كيف يشاء، فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له يا بني الحق بشرفك وحسبك، فقال زيد لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبدا، فقال له ابوه فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا لقريش؟ فقال زيد لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما دمت حيا، فغضب أبوه فقال: يا معشر قريش اشهدوا اني قد برئت منه وليس هو ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشهدوا ان زيدا ابني أرثه ويرثني، فكان يدعى زيد بن محمد فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه وسماه زيد الحب.


فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش وأبطأ عنه يوما فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله يسأل عنه فاذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر (2) فنظر اليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النور


____________


(1) أي جيد الرأي محكم العقل. (2) حجر تسحق به الادوية. ج. ز (*)

الصفحة 173


وتبارك الله أحسن الخالقين (1) ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها زيد: هل لك ان اطلقك حتى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلعلك قد وقعت في قلبه؟ فقال: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله اخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك ان اطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله: لا، إذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك، ثم حكى الله فقال: (امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ـ إلى قوله ـ وكان امر الله مفعولا) فزوجه الله من فوق عرشه (2).


____________


(1) وفي تفسير الكشاف والبيضاوي انه قال: سبحان الله مقلب القلوب حين رآها فهذه الرواية تحمل على التقية لورودها موافقة للعامة، والصحيح ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل مثل هذه الكلمات ولم يجئ إلى دارها كما سيجيئ في هذا الكتاب عند تفسير قوله تعالى: " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمرا... الخ الآية ".

(2) ويمكن الايراد عليه أولا انه كيف يسوغ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ان ينظر إلى زوجة الغير، وثانيا انه لا يناسبه ان يميل اليها، وثالثا انه لا ينبغي لمقامه ان يتزوج من زينب بعدما انكحها من زيد، لانه وإن كان جائزا إلا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان بمنزلة ابيه وهذا لا يفعله عامي فكيف النبي الاعظم الذي اسوته تتبع.

وجواب الاول (أ) لعل هذه الواقعة كانت قبل نزول آية الحجاب والنهي عن النظر إلى الاجنبية (ب) وعلى فرض كونها بعده انه لا إشكال في = (*)


الصفحة 174


فقال المنافقون: يحرم علينا نساء أبنائنا ويتزوج امرأة ابنه زيد فأنزل


____________


= جواز النظرة الاولى اتفاقا (ج) النبي (صلى الله عليه وآله) مرتبته بالنسبة إلى أمته أعظم وأولى من انفسهم بدلالة قوله تعالى: " النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم " خرج منه ما خرج كحرمة تزويج ذات البعل وبقي غيره في العموم فيجوز له النظر ولو عمدا إلى سائر نساء أمته.


الجواب عن الثاني: ان ميل النفس إلى كل شئ حسن وإعجابها به من مقتضيات الفطرة الانسانية ولولاه لما استحسن الانتهاء عما نهي عنه بل عدم الميل دليل فتور في الفطرة الاولية، والنبي حيث انه بشر لابد فيه من كمال سائر المقتضيات البشرية، لكن الفرق بيننا وبينه ان ميولنا النفسانية ربما تذهب بنا إلى مهاوي الهلكات والنبي لا يقتحمها أبدا لمكان العصمة.


الجواب عن الثالث: انه لم يتزوجها إلا بعد أمر الله تعالى وهو مبني على حكم، منها ما بينه الله تعالى بقوله: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج أدعيائهم إذا قضوا منها وطرا، ومنها ما لم يبين الله وهي ان زيدا لما اشتهر بين الناس بابنية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامكن من المسلمين السذج لاسيما من الذين كان كمال مجهودهم حط مقام اهل البيت (عليهم السلام) ان يعطوا زيدا مقام ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته بل لم يكن من المستبعد ان يجعلوه خليفة له بدليل كونه ابنا له، فكان اللازم على الله ان يسد هذا المجال فبين الفرق بينه وبين الولد النسبي بجواز التزويج من مدخولة الابن الدعي دون مدخولة الابن النسبي واراد ان يتزوج النبي من زوجة زيد حتى ينحسم احتمال كونه ابنا له فأوجد دواعي هذا الزواج من نظره اليها وإلقاء محبتها في قلبه ولما رأى ان النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقدم عليه لمقام حيائه وعفته قال: تخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله = (*)


الصفحة 175


الله في هذا (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ـ إلى قوله ـ يهدي السبيل) ثم قال:


(ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ـ إلى قوله ـ ومواليكم) فاعلم الله ان زيدا ليس هو ابن محمد وإنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه، وفي هذا ايضا ما نكتبه في غير هذا الموضع في قوله: " ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " ثم نزل (لا يحل لك النساء من بعد) ما حلل عليه في سورة النساء وقوله: (ولا ان تبدل بهن من ازواج) معطوف على قصة امرأة زيد (ولو اعجبك حسنهن) اي لا يحل لك امرأة رجل ان تتعرض لها حتى يطلقها زوجها وتتزوجها انت فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا.


وقوله: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجه امهاتهم) قال: نزلت وهو أب لهم وأزواجه امهاتهم، فجعل الله المؤمنين اولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل رسول الله اباهم لمن لم يقدر ان يصون نفسه ولم يكن له مال وليس له على نفسه ولاية فجعل الله تبارك وتعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) الولاية على المؤمنين من انفسهم وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)


____________


= أحق ان تخشاه الآية، فلو لم يكن في هذا الزواج مثل هذه الحكمة لما كان جائزا للنبي لان النبي لا يفعل فعلا عبثا فكيف ما كان مذموما والدليل على ذلك انه منع عن مثل هذا الزواج فيما بعد لكو؟؟ عادما للحكمة المذكورة لقوله:


لا يحل لك النساء من بعد ولا ان تبدل بهن من ازواج ولو اعجبك حسنهن.


وسيجئ في رواية ابي الجارود في تفسير قوله تعالى: " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمرا ان يكون لهم الخيرة " انه (صلى الله عليه وآله) لم يذهب إلى بيت زيد وانهما (أي زيدا وزينب) جاءا إلى النبي لرفع التخاصم بينهما وهذا هو الاوفق لاعتضاده بغيره من روايات الامامية، والاول على مذاق العامة فيترك ج. ز (*)


الصفحة 176


بغدير خم " يا ايها الناس ألست أولى بكم من انفسكم " قالوا: بلى ثم اوجب لامير المؤمنين (عليه السلام) ما اوجبه لنفسه عليهم من الولاية فقال: " ألا من كنت مولاه فعلي مولاه " فلما جعل الله النبي ابا للمؤمنين ألزمه مؤنتهم وتربية ايتامهم فعند ذلك صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فقال: من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا او ضياعا فعلي والي، فألزم الله نبيه للمؤمنين ما يلزمه الوالد وألزم المؤمنين من الطاعة له ما يلزم الولد للوالد فكذلك ألزم امير المؤمنين (عليه السلام) ما ألزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعد ذلك وبعده الائمة (عليهم السلام) واحدا واحدا والدليل على ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) هما الوالدان قوله: " وا عبدالله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " فالوالدان رسول الله وامير المؤمنين صلوات الله عليهما وقال الصادق (عليه السلام) وكان إسلام عامة اليهود بهذا السبب لانهم أمنوا على انفسهم وعيالاتهم وقوله: (واولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) قال نزلت في الامامة وقوله: (وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم) قال: هذه الواو زيادة في قوله ومنك وإنما هو منك ومن نوح فأخذ الله الميثاق لنفسه على الانبياء ثم اخذ لنبيه (صلى الله عليه وآله) على الانبياء والائمة ثم اخذ للانبياء على رسوله (صلى الله عليه وآله).


وقوله: (يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم الآية) فانها نزلت في قصة الاحزاب من قريش والعرب الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: وذلك ان قريشا تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب وجلبوا واستفزوهم لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين اجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حي بن اخطب،


الصفحة 177


وهم يهود من بني هارون (عليه السلام) فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حي بن اخطب وهم إلى قريش بمكة وقال لهم ان محمدا قد وتركم ووترنا واجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا وأجلا بني عمنا بني قينقاع فسيروا في الارض واجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير اليهم فانه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة وبينهم وبين محمد عهد وميثاق وأنا احملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد (صلى الله عليه وآله) ويكونون معنا عليهم فتأتونه انتم من فوق وهم من اسفل.


وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين وهو الموضع الذي يسمى بئر المطلب، فلم يزل يسير معهم حي بن اخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والاقرع بن حابس في قومه وعباس ابن مرداس في بني سليم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله ان القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة (1) قال: فما نصنع؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجابا فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم ان يأتونا من كل وجه فانا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أشار سلمان بصواب، فامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحفره من ناحية احد إلى رائح (راتج ط) وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوما من المهاجرين والانصار يحفرونه، فامر فحملت المساحي والمعاول وبدأ رسول الله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعيى وقال: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم اغفر للانصار والمهاجرين، فلما نظر الناس


____________


(1) كالمقاتلة وزنا ومعنى. ج. ز (*)

الصفحة 178


إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الفتح فبينا المهاجرون والانصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبدالله الانصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه بذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه وقد شد على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه فقام مسرعا حتى جاءه ثم دعا بماء في إناء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه ثم شرب ومج من ذلك الماء في فيه ثم صبه على الحجر ثم اخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المداين، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة اخرى نظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اما انه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق.


ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل، فقال جابر: فعلمت ان رسول الله مقوى أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر فقلت: يا رسول الله هل لك في الغذاء؟ قال: ما عندك يا جابر؟ فقلت: عناق (1) وصاع من شعير فقال: تقدم واصلح ما عندك، قال: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها وأمرتها ان تخبز وتطبخ وتشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: بأبي انت وامي يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت، فقام (صلى الله عليه وآله) إلى شفير الخندق ثم قال: معاشر المهاجرين والانصار أجيبوا جابرا قال جابر: وكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والانصار إلا قال اجيبوا جابرا، يقال جابر: فتقدمت وقلت لاهلي:


والله قد أتاك محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته انت بما عندنا؟ قال: نعم،؟ الت: هو اعلم بما اتى، قال جابر: فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله)


____________


(1) بفتح العين الانثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول. ج. ز (*)

الصفحة 179


فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي ثم نظر في التنور ثم قال: اخرجي وأبقي ثم دعا بصحنة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل علي عشرة فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا (1) وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع فأكلوه ثم قال: ادخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار اصابعهم، ثم قال: علي بالذراع فأكلوا وخرجوا ثم قال: ادخل علي عشرة فأدخلتهم فاكلوا حتى نهلوا ولم ير في القصعة إلا آثار اصابعهم ثم قال: يا جابر علي بالذراع فاتيته فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع؟ قال: ذراعان، فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد اتيتك بثلاثة، فقال: اما لو سكت يا جابر لاكلوا الناس كلهم من الذراع، قال جابر: فاقبلت ادخل عشرة عشرة فدخلوا فيأكلون حتى اكلوا كلهم وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به اياما.


قال: وحفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق وجعل له ثمانية بواب وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الانصار مع جماعة يحفظونه وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الرغابة (2) ففرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة ايام، فاقبلت قريش ومعهم حي بن اخطب فلما نزلوا العقيق جاء حي بن اخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدق باب الحصن فسمع كعب بن اسد قرع الباب فقال لاهله: هذا اخوك قد شأم قومه وجاء الآن يشأمنا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمد وقد وفى لنا محمد وأحسن جوارنا، فنزل اليه من غرفته فقال له: من انت؟ قال: حي بن اخطب قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر،


____________


(1) نهلوا أي عطشوا

(2) الزغابة ط. ج ـ ز (*)

الصفحة 180


فقال: يا كعب هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الرغابة وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذيبان ولا يفلت محمد وأصحابه من هذا الجمع ابدا فافتح الباب وانقض العهد الذي بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب ارجع من حيث جئت فقال حي: ما يمنعك من فتح الباب إلا حشيشتك (خسيستك ط) التي في التنور تخاف ان اشركك فيها فافتح فانك آمن من ذلك، فقال له كعب: لعنك الله قد دخلت علي من باب دقيق (1) ثم قال: افتحوا له الباب ففتحوا له الباب، فقال:


ويلك يا كعب انقض العهد الذي بينك وبين محمد ولا ترد رأيي فان محمدا لا يفلت من هذا الجمع ابدا فان فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله ابدا، قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة ابن زيد والزبير بن ياطا فقال لهم كعب: ما ترون؟ قالوا: انت سيدنا والمطاع فينا وانت صاحب عهدنا فان نقضت نقضنا وان أقمت اقمنا معك وان خرجت خرجنا معك، فقال الزبير بن ياطا وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي انزلها الله في سفرنا بانه يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة يركب الحمار العربي ويلبس الشملة ويجتزى بالكسيرات والتميرات وهو الضحوك القتال في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فان كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها فقال حي: ليس هذا ذلك وذلك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد اسماعيل ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد اسماعيل ابدا لان الله قد فضلهم


____________


(1) اي صيقت علي في الجواب. ج. ز (*)

الصفحة 181


على الناس جميعا وجعل منهم النبوة والملك وقد عهد الينا موسى ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمد آية وإنما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه فقال لهم اخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه فأخذه حي بن اخطب ومزقه وقال قد وقع الامر فتجهزوا وتهيؤا للقتال.


وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك فغمه غما شديدا وفزع اصحابه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين وكانا من الاوس وكانت بنو قريظة حلفاء الاوس فقال لهما: إئتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا فان كانوا نفسوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي وقولا عضل والفارة فجاء سعد بن معاذ واسيد بن حصين إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في جحر لنولين قريشا وليحاصرنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولينزلنك على الصغر والقماع وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالا عضل والفارة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعناء نحن أمرناهم بذلك وذلك انه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيون لقريش يتجسسون خبره وكانت عضل والفارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا فكان إذا غدر أحد ضرب بهذا المثل فيقال عضل والفارة.


ورجع حي بن اخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففرحت قريش بذلك فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة فان أمرتني ان آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت وان أمرت ان أخذل بين اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله


الصفحة 182


(صلى الله عليه وآله) أخذل بين اليهود وقريش فانه اوقع عندي، قال: فتأذن لي ان اقول فيك ما اريد، قال قل ما بدا لك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم وقد بلغني ان محمدا قد وافق اليهود ان يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم ووعدهم إذا فعلوا ذلك ان يرد عليهم جناحهم الذي قطعه لبني النضير وقينقاع فلا أرى لكم ان تدعوهم يدخلوا في عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة فتأمنوا مكرهم وغدرهم، فقال أبوسفيان وفقك الله وأحسن جزاك مثلك أهدى النصايح ولم يعلم ابوسفيان باسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال: يا كعب تعلم مودتي لكم وقد بلغني ان ابا سفيان قال تخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد فان ظفروا كان الذكر لنا دونهم وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب فلا أرى لكم ان تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم انهم ان لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم لانه ان ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة لا تخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.


وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك فقيل لهم هذا من تدبير الفارسي الذي معه فوافى عمرو بن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد صف أصحابه بين يديه فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصاروا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلهم خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقدموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أيديهم وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من اخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو لا والله ما يفلت من يديه


الصفحة 183


أحد فهلموا ندفع اليه محمدا ليقتله ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت قوله (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم ـ إلى قوله ـ وكان على الله يسيرا) وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الارض وأقبل يجول حوله ويرتجز ويقول:


ولقد بححت (1) من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع مواقف القرن المناجز أني كذلك لم أزل متسرعا نحو الهزاهز ان الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرايز فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد، فقام اليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو ابن عبد ود فارس يليل (2) قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادن مني فدنا منه فعممه بيده، ودفع اليه سيفه ذا الفقار فقال له اذهب وقاتل بهذا وقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته.


فمر أمير المؤمنين (عليه السلام) يهرول في مشيه وهو يقول:


لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجى كل فايز اني لارجو أن اقيم عليك نائحة الجنايز من ضربة نجلاء يبقى صوتها بعد الهزاهز


____________


(1) بح أغلظ بصوته مع خشونة.

(2) اسم موضع هجم فيه عمرو على عير وهزم الف خيال منهم. ج. ز (*)

الصفحة 184


فقال له عمرو من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وختنه فقال: والله ان أباك كان لي صديقا قديما واني اكره أن أقتلك ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي ان أختطفك برمحي هذا فأتركك شائلا بين السماء والارض لا حي ولا ميت، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قد علم ابن عمي انك ان قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار وان قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو وكلتاهما لك يا علي؟ تلك إذا قسمة ضيزى، قال علي (عليه السلام) دع هذا يا عمر واني سمعت منك وانت متعلق بأستار الكعبة تقول لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة قال: هات يا علي ! قال: أحدها تشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، قال: نح عني هذه فاسأل الثانية، فقال أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان يك صادقا فانتم أعلى به عينا وان يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره، فقال: إذا لا تتحدث نساء قريش بذلك ولا تنشد الشعراء في أشعارها اني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فالثالثة ان تنزل إلي فانك راكب وأنا راجل حتى أنا بذك

التالي ص 98/371 — الأصلية 98 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...