هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · الصفحة الأصلية 247 / داخلي 241 من 743
»»
[صفحة 247] لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلىََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ (1) و هذا التقريع من الله تعالى لليهود و النواصب، و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين، فعظم (2) على اليهود ما وبخهم به رسول الله (صلى الله عليه و آله) .
فقال جماعة من رؤسائهم و ذوي اللسن و البيان منهم: يا محمد، إنك تهجونا و تدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه، إن فيها (3) خيرا كثيرا، نصوم و نتصدق و نواسي الفقراء.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إنما الخير ما أريد به وجه الله تعالى، و عمل على ما أمر الله تعالى، فأما ما أريد به الرياء و السمعة و معاندة (4) رسول الله، و إظهار الغنى له، و التمالك و التشرف عليه، فليس بخير، بل هو الشر الخالص، و وبال على صاحبه، يعذبه الله به أشد العذاب.
فقالوا له: يا محمد، أنت تقول هذا، و نحن نقول: بل ما ننفقه إلا لإبطال أمرك، و دفع رسالتك (5) ، و لتفريق أصحابك عنك (6) ، و هو الجهاد الأعظم، نأمل به من الله تعالى الثواب الأجل الأجسم، فأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعاوى، فأي فضل لك علينا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا إخوة اليهود، إن الدعاوى يتساوى فيها المحقون و المبطلون، و لكن حجج الله و دلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين، و تبين عن حقائق المحقين، و رسول الله محمد لا يغتنم جهلكم، و لا يكلفكم التسليم له بغير حجة، و لكن يقيم عليكم حجة الله تعالى التي لا يمكنكم دفعها، و لا تطيقون الامتناع من موجبها، و لو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم، و قلتم: إنه متكلف مصنوع محتال فيه، معمول أو متواطأ عليه، فإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون، لم يكن لكم أن تقولوا: معمول أو متواطأ عليه أو متأت بحيلة و مقدمات، فما الذي تقترحون؟فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم، و يزيد في بصائر المؤمنين.
قالوا: قد أنصفتنا-يا محمد-فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف، و إلا فأنت أول راجع عن دعواك للنبوة، و داخل في غمار (7) الأمة، و مسلم لحكم التوراة لعجزك عما نقترحه عليك، و ظهور الباطل في دعواك (8) فيما ترومه من جهتك.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد (9) ، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما
____________ (1) الحشر 59: 21. (2) في المصدر: فغلّظ. (3) في «ط» نسخة بدل: فينا. (4) في المصدر: أو معاندة. (5) في «ط» نسخة بدل: و رفع رئاستك. (6) في «ط» نسخة بدل: منك. (7) دخلت في غمار الناس-يضمّ و يفتح-أي في زحمتهم و كثرتهم. «الصحاح-غمر-2: 772» . (8) في «س» : و ظهور باطل دعواك. (9) مثل لفظه: (الصدق ينبئ عنك لا الوعيد) ، و معناه: أنّ ما ينبئ عدوّك عنك أن تصدق في المحاربة و غيرها، لا أن توعده و لا تنفّذ لما توعد به. «مجمع الأمثال 1: 398» .