هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · الصفحة الأصلية 252 / داخلي 246 من 743
»»
[صفحة 252] اليهود الذين نافقوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في هذه القصة (1) ، فإنهم قالوا لبني إسرائيل: إن الله تعالى قال لنا هذا، و أمرنا بما ذكرناه لكم و نهانا، و أتبع ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه، و إن صعب عليكم ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه و تواقعوه، و هم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون.
}ثم أظهر الله على نفاقهم الآخر مع جهلهم، فقال الله عز و جل: وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا كانوا إذا لقوا سلمان و المقداد و أبا ذرّ و عمارا، قالوا: آمنا كإيمانكم، آمنا (2) بنبوة محمد (صلى الله عليه و آله) مقرونة (3) بالإيمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب، و بأنه أخوه الهادي، و وزيره الموالي، و خليفته على أمته، و منجز عدته، و الوافي بذمته، و الناهض بأعباء سياسته، و قيم الخلق، الذائد لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم-إن أطاعوه-رضا الرحمن، و أن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، و الأقمار المنيرة، و الشمس المضيئة الباهرة، و أن أولياءهم أولياء الله، و أن أعداءهم أعداء الله.
و يقول بعضهم: نشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) صاحب المعجزات، و مقيم الدلالات الواضحات، هو الذي لما تواطأت قريش على قتله، و طلبوه فقدا لروحه، يبس الله أيديهم فلم تعمل، و أرجلهم فلن تنهض، حتى رجعوا عنه خائبين (4) مغلوبين، و لو شاء محمد وحده قتلهم أجمعين، و هو الذي لما جاءته قريش، و أشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم و كذبه خر هبل لوجهه، و شهد له بنبوته، و لعلي أخيه بإمامته، و لأوليائه من بعده بوراثته، و القيام بسياسته و إمامته. و هو الذي لما ألجأته قريش إلى الشعب (5) ، و وكلوا ببابه من يمنع من إيصال قوت، و من خروج أحد عنه، خوفا أن يطلب لهم قوتا، غذا هناك كافرهم و مؤمنهم أفضل من المن و السلوى، و كل ما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الأطعمات الطيبات، و من أصناف الحلاوات، و كساهم أحسن الكسوات.
و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين أظهرهم إذ يراهم (6) و قد ضاقت لضيق فجهم (7) صدورهم، قال بيده (8)
هكذا بيمناه إلى الجبال، و هكذا بيسراه إلى الجبال، و قال لها: اندفعي؛ فتندفع و تتأخر حتى يصيروا بذلك في صحراء لا ترى أطرافها، ثم يقول بيده هكذا، و يقول: أطلعي-يا أيتها المودعات لمحمد و أنصاره-ما أودعكها (9)
الله من الأشجار و الأثمار و الأنهار و أنواع الزهر و النبات، فتطلع (10) الأشجار الباسقة، و الرياحين المونقة
____________ (1) في المصدر: القضية. (2) في «ط» : إيمانا. (3) في «ط» : مقرونا. (4) في «ط» نسخة بدل: خاسئين. (5) الشعب: الطريق في الجبل، أو ما انفرج بين جبلين، و المقصود هنا شعب أبي يوسف بمكّة. (6) في المصدر: إذ رآهم. (7) الفجّ: الطريق الواسع بين الجبلين. «الصحاح-فجج-1: 333» . (8) قال بيده: أشار بها. و في «ط» نسخة بدل: شال. (9) في المصدر: أودعكموها. (10) في المصدر زيادة من.