البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 568

[صفحة 568]
فرأى عظمة ربه عز و جل بفؤاده، و لم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينها و بينه أو أدنى فَأَوْحىََ إِلىََ عَبْدِهِ مََا أَوْحىََ (1) فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة، قوله تعالى: لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا مََا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحََاسِبْكُمْ بِهِ اَللََّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

و كانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمدا (صلى الله عليه و آله) ، و عرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، و قبلها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى الله تبارك و تعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، فلما أن سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ، فأجاب (صلى الله عليه و آله) مجيبا عنه و عن أمته، فقال:

وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فقال جل ذكره: لهم الجنة و المغفرة علي إن فعلوا ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه و آله) : أما إذا فعلت بنا ذلك غُفْرََانَكَ رَبَّنََا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ يعني المرجع في الآخرة.

قال: فأجابه الله جل ثناؤه: و قد فعلت ذلك بك و بأمتك. ثم قال عز و جل: أما إذا قبلت الآية بتشديدها و عظم ما فيها، و قد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها، و قبلتها أمتك، فحق علي أن أرفعها عن أمتك. و قال: لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا لَهََا مََا كَسَبَتْ من خير وَ عَلَيْهََا مَا اِكْتَسَبَتْ من شر.

فقال النبي (صلى الله عليه و آله) لما سمع ذلك: أما فعلت ذلك بي و بأمتي فزدني. قال: سل. قال: رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا ، قال الله عز و جل: لست او آخذ أمتك بالنسيان و الخطأ لكرامتك علي، و كانت الأمم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، و قد رفعت (2) ذلك عن أمتك، و كانت الأمم السالفة إذا أخطأوا أخذوا بالخطإ و عوقبوا عليه، و قد رفعت ذلك عن أمتك لكرامتك علي.

فقال النبي (صلى الله عليه و آله) : اللهم إذا أعطيتني ذلك فزدني. فقال الله تعالى له: سل. قال: رَبَّنََا وَ لاََ تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْراً كَمََا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنََا ، يعني بالإصر: الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا. فأجابه الله عز و جل إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على من كان من قبلنا. فأجابه الله عز و جل إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة: كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة (3) اخترتها لهم و إن بعدت، و قد جعلت الأرض كلها لامتك مسجدا و ترابها طهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الأمم قبلك، فرفعتها عن أمتك كرامة لك.

و كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم، و قد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك.

و كانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا

____________
(1) النجم 53: 10.
(2) في المصدر: دفعت.
(3) في المصدر: بقاع معلومة من الأرض.

التالي صفحة 568 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...