هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 228 من 743
صفحة
[صفحة 234]
و الغدران، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر، و بقيت ليلها (1) في مكان يتهيأ أخذها بلا اصطياد لاسترسالها فيه، و عجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، فكانوا يأخذونها يوم الأحد، و يقولون: ما اصطدنا يوم السبت، و إنما اصطدنا في الأحد، و كذب أعداء الله، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتى كثر من ذلك ما لهم و ثراؤهم، و تنعموا بالنساء و غيرها لا تساع أيديهم (2) .
و كانوا في المدينة نيفا و ثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا، و أنكر عليهم الباقون، كما قص الله:
وَ سْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كََانَتْ حََاضِرَةَ اَلْبَحْرِ (3) الآية؛ و ذلك أن طائفة منهم وعظوهم و زجروهم، و من عذاب (4) الله خوفوهم، و من انتقامه و شديد بأسه حذروهم، فأجابوهم عن وعظهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللََّهُ مُهْلِكُهُمْ بذنوبهم هلاك الاصطلام (5) : أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذََاباً شَدِيداً .
أجابوا القائلين هذا لهم: مَعْذِرَةً إِلىََ رَبِّكُمْ إذ كلفنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربنا مخالفتنا لهم، و كراهتنا لفعلهم، قالوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (6) و نعظهم أيضا لعله تنجع (7) فيهم المواعظ، فيتقون هذه الموبقة، و يحذرون عقوبتها.
قال الله عز و جل: فَلَمََّا عَتَوْا حادوا و أعرضوا و تكبروا عن قبولهم الزجر عَنْ مََا نُهُوا عَنْهُ قُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ (8) مبعدين عن الخير، مقصين (9) .
قال: فلما نظر العشرة آلاف و النيف أن السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم، و لا يحفلون (10) بتخويفهم إياهم و تحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية أخرى قريبة من قريتهم، و قالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب الله، و نحن في خلالهم؛ فأمسوا ليلة، فمسخهم الله تعالى كلهم قردة، و بقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد، و لا يدخل أحد.
و تسامع بذلك أهل القرى فقصدوهم، و تسنموا (11) حيطان البلد، فاطلعوا عليهم، فإذا كلهم رجالهم و نساؤهم قردة، يموج بعضهم في بعض، يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم و قراباتهم و خلطاءهم، يقول المطلع
____________
(1) في المصدر: و أبقيت ليلتها.
(2) في المصدر زيادة: به.
(3) الأعراف 7: 163.
(4) في «س» : و عذاب.
(5) الاصطلام: الاستئصال. «الصحاح-صلم-5: 1967» .
(6) الأعراف 7: 166.
(7) نجع فيه الخطاب و الوعظ و الدواء: أي دخل و أثر. «الصحاح-نجع-3: 1288» .