هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 294 من 819
صفحة
[صفحة 238]
أعترض عليه فيما أمر، ألا ترون أنه لما حرم العمل يوم السبت، و حرم لحم الجمل، لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغير ما حكم الله (1) علينا من ذلك، بل علينا أن نسلم له حكمه، و نلتزم ما ألزمنا؛ و هم أن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم.
فأوحى الله عز و جل إليه: يا موسى، أجبهم إلى ما اقترحوا، و سلني أن أبين لهم القاتل ليقتل، و يسلم غيره من التهمة و الغرامة، فإني إنما أريد بإجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل من خيار أمتك، دينه الصلاة على محمد و آله الطيبين، و التفضيل لمحمد و علي بعده على سائر البرايا، أغنيه في الدنيا في هذه القصة (2) ، ليكون من بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد و آله.
فقال موسى: يا رب، بين لنا قاتله؛ فأوحى الله تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إن الله يبين لكم ذلك، بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول فيحيا، فتقبلوا (3) لرب العالمين ذلك، و إلا فكفوا عن المسألة، و التزموا ظاهر حكمي.
فذلك ما حكى الله عز و جل: وَ إِذْ قََالَ مُوسىََ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً إن أردتم الوقوف على القاتل، تضربوا المقتول ببعضها فيحيا، و يخبر بالقاتل قََالُوا -يا موسى- أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً سخرية؟تزعم أن الله أمرنا أن نذبح بقرة، و نأخذ قطعة من الميت، و نضرب بها ميتا، فيحيا أحد الميتين بملاقاته بعض الميت الآخر، كيف يكون هذا؟! قال موسى (عليه السلام) : أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ أنسب إلى الله تعالى ما لم يقل لي، و أن أكون من الجاهلين، أعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت، دافعا لقول الله تعالى و أمره.
ثم قال موسى (عليه السلام) : أ و ليس ماء الرجل نطفة ميتة، و ماء المرأة كذلك، ميتان يلتقيان فيحدث الله تعالى من التقاء الميتين بشرا حيا سويا؟أ و ليس بذوركم التي تزرعونها في أرضيكم تتفسخ و تتعفن و هي ميتة، ثم تخرج (4) منها هذه السنابل الحسنة البهيجة، و هذه الأشجار الباسقة (5) المونقة؟ فلما بهرهم موسى (عليه السلام) قََالُوا يا موسى اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ أي ما صفتها، لنقف عليها؛ فسأل موسى ربه عز و جل، فقال: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ كبيرة وَ لاََ بِكْرٌ صغيرة لم تفرض (6)
عَوََانٌ وسط بَيْنَ ذََلِكَ بين الفارض و البكر فَافْعَلُوا مََا تُؤْمَرُونَ إذا ما أمرتم به. قََالُوا يا موسى اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا لَوْنُهََا أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها.
____________
(1) في المصدر زيادة: به.
(2) في المصدر: القضية.
(3) في المصدر: فتسلّمون.
(4) في المصدر: يخرج اللّه.
(5) الباسقة: الطويلة.
(6) فرضت البقرة: كبرت و طعنت في السن. «الصحاح-فرض-3: 1097» ، في المصدر: لم تغبط.