هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 304 من 805
صفحة
[صفحة 249]
حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة، و غمر (1) ما حوله من أنواع المنثور (2) ، بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة؟ قال الجبل: بلى، أشهد لك-يا محمد-بذلك، و أشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا و خنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، و أن يقلب النيران جليدا، و الجليد نيرانا (3) لفعل، أو يهبط السماء إلى الأرض، أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير (4) أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل، و أنه قد جعل الأرض و السماء طوعك، و الجبال و البحار تنصرف بأمرك، و سائر ما خلق الله من الرياح و الصواعق، و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها به من شيء ائتمرت.
فقال اليهود: يا محمد: علينا (5) تلبس و تشبه؟قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور على هذا الجبل، فهم ينطقون بهذا الكلام، و نحن لا ندري أ نسمع من الرجل أم من الجبل؟لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح (6) في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار، و مر هذا الجبل أن ينقلع (7)
من أصله، فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك-و نحن نشاهده-فمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثم ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا، و تنخفض العليا تحت السفلى، فإذا أصل الجبل قلته (8) ، و قلته أصله، لنعلم أنه من الله، لا يتفق بمواطأة و لا بمعاونة مموهين متمردين.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) -و أشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال-: يا أيها الحجر، تدحرج؛ فتدحرج.
ثم قال لمخاطبه: خذه و قربه من أذنك، فسيعيد عليك ما سمعته، فإنه جزء من ذلك الجبل؛ فأخذه الرجل، فأدناه إلى أذنه، فنطق (9) الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما ذكر عن قلوب اليهود، و فيما أخبر به من أن نفاقهم في دفع أمر محمد (صلى الله عليه و آله) باطل، و وبال عليهم.
فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أسمعت هذا؟أخلف هذا الحجر أحد يكلمك، و يوهمك أنه يكلمك، قال: لا، فآتني بما اقترحت في الجبل.
فتباعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى فضاء واسع، ثم نادى الجبل: يا أيها الجبل، بحق محمد و آله الطيبين،
____________
(1) في «س» : و عمّ.
(2) في «ط» نسخة بدل: الميثور.
(3) في «س» : النار.
(4) في «س» : تصير.
(5) في المصدر: أعلينا.
(6) تبحبحت في الدار: إذا توسطتها و تمكّنت منها، و التّبحبح: التمكّن في الحلول و المقام، و الظاهر أنّ المراد هنا: تتمكن من عقولهم، و تسيطر عليها. «لسان العرب-بحح-2: 407» .