هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة القارئ 315 من 743 · الصفحة الأصلية 321
صفحة
[صفحة 321]
اِصْطَفىََ لَكُمُ اَلدِّينَ فَلاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (1) ، و في قوله عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و آله) : ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (2) ، و في قوله عز و جل: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (3) .
و أشراط كلمات الإمام مأخوذة من جهته مما تحتاج إليه الأمة من مصالح (4) الدنيا و الآخرة.
و قول إبراهيم (عليه السلام) : وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي من: حرف تبعيض، ليعلم أن من الذرية من يستحق الإمامة، و منهم من لا يستحقها، هذا من جملة المسلمين، و ذلك أنه يستحيل أن يدعو إبراهيم بالإمامة للكافر أو للمسلم الذي ليس بمعصوم، فصح أن باب التبعيض وقع على خواص المؤمنين، و الخواص إنما صاروا خواصا بالبعد عن الكفر، ثم من اجتنب الكبائر صار من جملة الخواص. أخص، ثم المعصوم هو الخاص الأخص، و لو كان للتخصيص صورة أربى عليه (5) ، لجعل ذلك من أوصاف الإمام.
و قد سمى الله عز و جل عيسى من ذرية إبراهيم، و كان ابن بنته من بعده، و لما صح أن ابن البنت ذرية، و دعا إبراهيم لذريته بالإمامة، وجب على محمد (صلى الله عليه و آله) الاقتداء به في وضع الإمامة في المعصومين من ذريته حذو النعل بالنعل بعد ما أوحى الله عز و جل إليه، و حكم عليه بقوله: ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً (6) الآية، و لو خالف ذلك لكان داخلا في قوله: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرََاهِيمَ إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ جل نبي الله عن ذلك.
قال الله عز و جل: إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هََذَا اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا (7) و أمير المؤمنين (عليه السلام) أبو ذرية النبي (صلى الله عليه و آله) ، و وضع الإمامة فيه وضعها في ذريته المعصومين بعده.
و قوله عز و جل: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ يعني بذلك أن الإمامة لا تصلح لمن قد عبد وثنا أو صنما، أو أشرك بالله طرفة عين، و إن أسلم بعد ذلك، و الظلم وضع الشيء في غير موضعه، و أعظم الظلم الشرك، قال الله عز و جل: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (8) و كذلك لا يصلح للإمامة من (9) قد ارتكب من المحارم شيئا صغيرا كان أو كبيرا، و إن تاب منه بعد ذلك، و كذلك لا يقيم الحد من في جنبه حد، فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما، و لا تعلم عصمته إلا بنص الله عز و جل عليه على لسان نبيه (صلى الله عليه و آله) ، لأن العصمة ليست في ظاهر الخلقة فترى
____________
(1) البقرة 2: 132.
(2) النّحل 16: 123.
(3) الحج 22: 78.
(4) في المصدر: مأخوذة ممّا تحتاج إليه الأمّة من جهة من مصالح.