هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 529 / داخلي 513 من 877
»»
[صفحة 529]
و يزعمون أنهم قادرون على الهدى و الضلالة، و ذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، و إن شاءوا ضلوا، و هم مجوس هذه الامة، و كذب أعداء الله، المشيئة و القدرة لله كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ من خلقه شقيا يوم خلقه، كذلك يعود إليه شقيا، و من خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا. قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : الشقي من شقي في بطن امه، و السعيد من سعد في بطن امه» (1) .
99-3829/
____________
_3
- ابن بابويه، قال: حدثنا أبي (رحمه الله) ، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن أحمد، عن أحمد ابن محمد السياري (2) ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران الكرخي (3) ، قال: حدثنا حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق الليثي، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) ، في قوله تعالى: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ* `فَرِيقاً هَدىََ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلضَّلاََلَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ : «يعني أئمة الجور دون أئمة الحق وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » .
(1) المستفاض عن الأئمّة (عليهم السّلام) هو نفي الجبر و التفويض و إثبات الأمر بين الأمرين. و معنى الجبر هو ما ذهب إليه الأشاعرة من أنّ اللّه تعالى أجرى الأعمال على أيدي العباد من غير قدرة مؤثّرة لهم فيها. و أمّا التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنّه تعالى أوجد العباد و أقدر هم على تلك الأفعال، و فوّض إليه الاختيار. فهم مستقلّون بإيجادها على وفق مشيئتهم و قدرتهم و ليس للّه في أفعالهم صنع.
و معنى الأمر بين الأمرين فهو أنّ لهدآياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعال العباد بحيث لا يصل إلى حدّ الإلجاء و الاضطرار، كما أنّ سيّدا أمر عبده بشيء يقدر على فعله، و فهّمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب، و على تركه شيئا من العقاب. فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنّه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا يقول عاقل بأنّه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيّد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه و أكّد ذلك ببعث من يحثّه على الفعل و يرغّبه فيه ثمّ فعل بقدرته و اختياره ذلك الفعل، فلا يقول عاقل بأنّه جبره على ذلك الفعل.
و أمّا الأخبار التي يدلّ ظاهرها على الجبر كهذا الخبر، فالمشهور في تأويلها أنّها منزّلة على العلم الإلهي، فإنّه سبحانه قد علم في الأزل أحوال الخلق في الأبد، و ما يأتونه و ما يذرونه بالاختيار منهم، فلمّا علم منهم هذه الأحوال و أنّها تقع باختيارهم عاملهم بهذه المعاملة، كالخلق من الطينة الخبيثة أو الطينة الطيبة، و حينئذ كتبت الشقاوة و السعادة في الناس قبل أن يجيؤا في حيز الوجود، فعلم اللّه تعالى بكون فلان سعيدا أو شقيا لا يكون علّة للسعادة و الشقاوة فيه بل إنّهما مستندتان إليه بحسب أعماله.
و ذهب السيّد المرتضى علم الهدى (رحمه اللّه) إلى أنّ هذه الأخبار آحاد مخالفة للكتاب و الإجماع. و ذهب ابن إدريس (رحمه اللّه) إلى أنّها أخبار متشابهة يجب الوقوف عندها و تسليم أمرها إليهم (عليهم السّلام)
(2) في «س» ، «ط» : حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن أحمد السّيّاري، و الصواب ما في المتن. راجع معجم رجال الحديث 2: 332، 15: 27.
(3) في «س» : بياض، و في «ط» : محمّد بن جعفر الكوفي، و الصواب ما أثبتناه، انظر معجم رجال الحديث 16: 247.