البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 576 / داخلي 560 من 877

[صفحة 576]

الله (صلى الله عليه و آله) إذا أراد حاجة أبعد و استتر بأشجار ملتفة، أو بخربة بعيدة، أو برية بعيدة (1) ، فخرج ذات يوم لحاجة و أبعد فاتبعوه، و أحاطوا به و سلوا سيوفهم عليه، فأثار الله جل و علا من تحت رجل محمد (صلى الله عليه و آله) من ذلك الرمل جرادا كثيرا، فاحتوشهم‏ (2) و جعل يأكلهم، فاشتغلوا بأنفسهم عنه. فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حاجته و هم يأكلهم الجراد رجع (صلى الله عليه و آله) إلى أهل القافلة، فقالوا له: يا محمد، ما بال الجماعة خرجوا خلفك و لم يرجع منهم أحد؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد. فجاءوا و نظروا إليهم فبعضهم قد مات، و بعضهم قد كاد يموت، و الجراد يأكلهم، فما زالوا ينظرون إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم، فلم يبق منهم شيئا.


و أما القمل، أظهر الله قدرته على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) بالقمل، و قصة ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما ظهر بالمدينة أمره، و علا بها شأنه، حدث يوما أصحابه عن امتحان الله عز و جل للأنبياء (عليهم السلام) ، و عن صبرهم على الأذى في طاعة الله، فقال في حديثه: إن بين الركن و المقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع و القمل. فسمع ذلك بعض المنافقين من اليهود، و بعض مردة كفار قريش، فتآمروا بينهم و توافقوا ليلحقن محمدا بهم، فيقتلونه بسيوفهم حتى لا يكذب، فتآمروا بينهم، و هم مائتان، على الإحاطة به يوم يجدونه من المدينة خارجا.


فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوما خاليا فتبعه القوم، فنظر بعضهم‏ (3) إلى ثياب نفسه و فيها قمل، ثم جعل بدنه و ظهره يحكه من القمل، فأنف منه أصحابه، و استحيا فانسل عنهم، فأبصر آخر ذلك في نفسه، و فيها قمل مثل ذلك، فانسل، فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد في نفسه، فرجعوا، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل، و انطبقت حلوقهم، فلم يدخل فيها طعام و لا شراب فماتوا كلهم في شهرين، منهم من مات في خمسة أيام، و منهم من مات في عشرة أيام و أقل و أكثر، و لم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل و الجوع و العطش، فهذا القمل الذي أرسله الله على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) آية له.


و أما الضفادع، فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) لما قصدوا قتله، فأهلكهم الله بالجرذ (4) ، و ذلك أن مائتين، بعضهم كفار العرب، و بعضهم يهود، و بعضهم أخلاط من الناس، اجتمعوا بمكة في أيام الموسم، و هموا في أنفسهم‏ (5) : لنقتلن محمدا. فخرجوا نحو المدينة، فبلغوا بعض تلك المنازل و إذا هناك ماء في بركة-أو حوض-أطيب من مائهم الذي كان معهم، فصبوا ما كان معهم منه، و ملأوا رواياهم‏ (6) و مزاودهم


____________

(1) (أو برية بعيدة) ليس في المصدر.

(2) احتوش القوم على فلان: جعلوه وسطهم «الصحاح-حوش-3: 1003» .

(3) في المصدر: أحدهم.

(4) في «ط» نسخة بدل: بها.

(5) في «ط» نسخة بدل: فيما بينهم.

(6) رواياهم: جمع راوية، و هي الوعاء الذي يكون فيه الماء، و تسمّى المزادة. «لسان العرب-روى-14: 346» .

التالي الأصلية 576داخلي 560/877 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...