البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 653

[صفحة 653]

أربع مائة فرس، فعبأ رسول الله (صلى الله عليه و آله) أصحابه بين يديه، و قال: «غضوا أبصاركم، و لا تبدأوهم بالقتال، و لا يتكلمن أحد» .


فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال أبو جهل: ما هم إلا أكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد. فقال عتبة بن ربيعة: أ ترى لهم كمينا و مددا؟فبعثوا عمير بن وهب الجمحي، و كان فارسا شجاعا، فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، ثم صعد الوادي و صوت، ثم رجع إلى قريش، فقال: ما لهم كمين و لا مدد، و لكن نواضح‏ (1) يثرب قد حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم، و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، و لا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم. فقال أبو جهل: كذبت و جبنت، و انتفخ سحرك‏ (2) حين نظرت إلى سيوف يثرب.


و فزع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين نظروا إلى كثرة قريش و قوتهم، فأنزل الله على رسوله: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهََا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ (3) و قد علم الله أنهم لا يجنحون و لا يجيبون إلى السلم، و إنما أراد سبحانه بذلك لتطيب قلوب أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) . فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى قريش، فقال: «يا معشر قريش، ما أحد من العرب أبغض إلي من أن أبدأكم، فخلوني و العرب، فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، و إن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري، فارجعوا» .


فقال عتبة: و الله، ما أفلح قوم قط ردوا هذا. ثم ركب جملا له أحمر، فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجول في العسكر و ينهى عن القتال، فقال: «إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر، فإن يطيعوه يرجعوا و يرشدوا» . فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش، اجتمعوا و سامعوا. ثم خطبهم، فقال: يمن مع رحب، و رحب مع يمن. يا معشر قريش، أطيعوني اليوم، و اعصوني الدهر، و ارجعوا إلى مكة و اشربوا الخمور، و عانقوا الحور، فإن محمدا له إل و ذمة، و هو ابن عمكم، فارجعوا و لا تردوا رأيي، و إنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذوها بنخلة، و دم ابن الحضرمي و هو حليفي و علي عقله. فلما سمع أبو جهل ذلك غاضه، و قال: إن عتبة أطول الناس لسانا، و أبلغهم كلاما، و لئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش إلى آخر الدهر. ثم قال: يا عتبة، نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب و جبنت و انتفخ سحرك، و تأمر الناس بالرجوع و قد رأينا ثأرنا بأعيننا. فنزل عتبة عن جمله، و حمل على أبي جهل، و كان على فرس، فأخذ بشعره، فقال الناس: يقتله. فعرقب فرسه، فقال: أ مثلي يجبن، و ستعلم قريش اليوم أينا ألأم و أجبن، و أينا المفسد لقومه، لا يمشي إلا أنا و أنت إلى الموت عيانا. ثم قال:


هذا جناي و خياره فيه # و كل جان يده إلى فيه‏


ثم أخذ بشعره يجره، فاجتمع إليه الناس، و قالوا: يا أبا الوليد، الله الله لا تفت في أعضاد الناس، تنهى عن شي‏ء و تكون أوله. فخلصوا أبا جهل من يده.


____________

(1) الناضح: البعير يستقى عليه، و الجمع نواضح. «الصحاح-نضح-1: 411» .

(2) انتفح سحرك: أي رئتك، يقال ذلك للجبان «النهاية 2: 346» .

(3) الأنفال 8: 61.

التالي صفحة 653 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...