هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 673 / داخلي 654 من 877
»»
[صفحة 673]
نقصع (1) البعير بأطراف الرماح، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك (2) إربا إربا.
قال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق، فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه و طلاقة لسانه، فصبا القوم إليه و استجاب له القبائل قبيلة بعد قبيلة، فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب و المقانب (3) ، فلتهلكن كما هلكت إياد و من كان قبلكم، قولوا قولكم.
فقال له أبو جهل: لكن أرى لكم رأيا سديدا، و هو أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر، فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا (4) ، ثم تسلحوه حساما عضبا (5) ، و تمهد الفتية حتى إذا غسق الليل و غور (6) ، بيتوا بابن أبي كبشة بياتا، فتفرق (7) دمه في قبائل قريش جميعا، فلا يستطيع بنو هاشم و بنو المطلب مناهضة قبائل قريش جميعا في صاحبهم، فيرضون منا الدية فنعطيهم ديتين (8) . فقال صاحب رأيهم: أصبت، يا أبا الحكم. ثم أقبل عليهم، فقال:
هذا الرأي فلا تعدلن به رأيا، و أوكئوا (9) في ذلك أفواهكم حتى يستتب أمركم.
فخرج القوم عزين (10) ، و سبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل (عليه السلام) ، فتلا هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه و آله) : وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ فلما أخبره جبرئيل (عليه السلام) بأمر الله في ذلك و وحيه و ما عزم له من الهجرة، دعا رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) ، و قال له: «يا علي، إن الروح الأمين هبط علي بهذه الآية آنفا، يخبرني أن قريشا اجتمعت على المكر بي و قتلي، و إنه أوحي إلي عن ربي عز و جل أن أهجر دار قومي، و أن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، و إنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي-أو قال: مضجعي-ليخفى بمبيتك عليهم أثري، فما أنت قائل و صانع؟» . فقال علي (صلوات الله عليه) : «أو تسلمن بمبيتي هناك، يا نبي الله؟» . قال: «نعم» . فتبسم علي (صلوات الله عليه) ضاحكا، و أهوى لله إلى الأرض ساجدا، شكرا لله لما أنبأه (11) به رسول الله (صلى الله عليه و آله) من سلامته، و كان علي (صلوات الله عليه) أول من سجد لله شكرا، و أول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما رفع رأسه قال له: «أمض بما أمرت، فداك سمعي و بصري و سويداء قلبي، و مرني بما شئت،
____________
(1) قصع: دفع و كسر. «النهاية 4: 73» .
(2) الدكادك: جمع دكدك، و هو ما التبد من الرّمل بالأرض و لم يرتفع. «الصحاح-دكك-4: 1584» .
(3) المقانب: جمع مقنب، جماعة الخيل و الفرسان، و قيل: هي دون المائة. «لسان العرب-قنب-1: 690» .
(4) النجد: الشجاع. «مجمع البحرين-نجد-3: 149» .
(5) العضب: القاطع. «لسان العرب-عضب-1: 609» .
(6) غور كلّ شيء: عمقه، و غوّر النهار: إذا زالت الشمس، و أطلقه هنا مجازا و أراد به إذا جاء منتصف الليل.
(7) في المصدر: أتوا ابن أبي كبيشة، فاقتلوه من يد رجل يضربه، فيذهب.
(8) في المصدر: فيرضون حينئذ بالعقل منهم. و المراد بالعقل الدية أيضا.
(9) أوكئوا: سدّوا أو شدّوا، و المراد هنا: اسكتوا و لا تتكلموا أو تذيعوا سرّا.
(10) عزين: أي جماعات في تفرقة، واحدتها عزة. مفردات الراغب: 334.