هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 765 / داخلي 745 من 877
»»
[صفحة 765]
أخذ شرقا يمشي إليه، و الآخر غربا، أ كان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما؟قالوا: لا. قال:
فوجب أن لا يختلط النور و الظلمة، لذهاب كل واحد منهما إلى غير جهة الآخر، فكيف حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج؟!بل هما مدبران جميعا مخلوقان. فقالوا: سننظر في أمورنا.
ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على مشركي العرب، فقال: و أنتم، فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟فقالوا:
نتقرب بذلك إلى الله تعالى.
فقال: أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله تعالى؟قالوا: لا.
قال: و أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟[قالوا: نعم، قال: ]فلئن تعبدكم هي-لو كان يجوز منها العبادة-أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم، و الحكيم فيما يكلفكم.
قال: فلما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك اختلفوا، فقال بعضهم: إن الله قد يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة، فصورنا هذه الصور، نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا.
و قال آخرون منهم: إن هذه صور أقوام سلفوا، كانوا مطيعين لله قبلنا، فمثلنا صورهم و عبدناها تعظيما لله.
و قال آخرون منهم: إن الله لما خلق آدم و أمر الملائكة بالسجود له، كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة، ففاتنا ذلك، و صورنا صورته فسجدنا لها تقربا إلى الله، كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى، و كما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم، ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها، و قصدتم الكعبة لا محاريبكم، و قصدتم بالكعبة إلى الله تعالى لا إليها.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أخطأتم الطريق و ضللتم، أما أنتم-و هو (صلى الله عليه و آله) يخاطب الذين قالوا: إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور التي صورناها، فصورنا هذه نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا-فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شيء حتى يحيط به ذلك الشيء؟فأي فرق بينه إذن و بين سائر ما يحل فيه من لونه و طعمه و رائحته و لينه و خشونته و ثقله و خفته؟و لم صار هذا المحلول فيه محدثا و ذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا و هذا قديما؟و كيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال، و هو عز و جل[لا يزال]كما لم يزل؟فإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال، و ما وصفتموه بالزوال و الحدوث وصفتموه (1) بالفناء، لأن ذلك أجمع من صفات الحال و المحلول فيه، و جميع ذلك يغير الذات، فإن جاز أن تتغير ذات الباري عز و جل بحلوله في شيء، جاز أن يتغير بأن يتحرك و يسكن و يسود و يبيض و يحمر و يصفر و تحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين و يكون محدثا تعالى الله عن ذلك.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شيء فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم.