هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 853 / داخلي 833 من 877
»»
[صفحة 853]
وفاءهم له بعهده و ميثاقه و مبايعته، فقال: وَ مَنْ أَوْفىََ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللََّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بََايَعْتُمْ بِهِ وَ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ .
فلما نزلت هذه الآية إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرىََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ قام رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) ، فقال: يا نبي الله، أ رأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلا أنه يقترف من هذه المحارم، أ شهيد هو؟فأنزل الله عز و جل على رسوله اَلتََّائِبُونَ اَلْعََابِدُونَ اَلْحََامِدُونَ اَلسََّائِحُونَ اَلرََّاكِعُونَ اَلسََّاجِدُونَ اَلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنََّاهُونَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْحََافِظُونَ لِحُدُودِ اَللََّهِ وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ففسر النبي (صلى الله عليه و آله) المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم و حليتهم بالشهادة و الجنة، و قال: التائبون من الذنوب، العابدون الذين لا يعبدون إلا الله، و لا يشركون به شيئا، الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في الشدة و الرخاء، السائحون و هم الصائمون، الراكعون الساجدون الذين يواظبون على الصلوات الخمس، و الحافظون لها و المحافظون عليها بركوعها و سجودها و في الخشوع فيها و في أوقاتها، الآمرون بالمعروف بعد ذلك و العاملون به، و الناهون عن المنكر و المنتهون عنه.
قال: فبشر من قتل و هو قائم بهذه الشروط بالشهادة و الجنة، ثم أخبر تبارك و تعالى أنه لم يأمر بالقتال إلا أصحاب هذه الشروط، فقال عز و جل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اَللََّهَ عَلىََ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* `اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللََّهُ (1) و ذلك أن جميع ما بين السماء و الأرض لله عز و جل و لرسوله و لأتباعهما من المؤمنين من أهل هذه الصفة، فما كان من الدنيا في أيدي المشركين و الكفار و الظلمة و الفجار من أهل الخلاف لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و المؤمنين، و المولي عن طاعتهما، مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات، و غلبوهم عليه مما أفاء الله على رسوله، فهو حقهم أفاء الله عليهم و رده إليهم.
و إنما معنى الفيء كل ما صار إلى المشركين ثم رجع مما كان قد غلب عليه (2) أو فيه، فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل فقد فاء، مثل قول الله عز و جل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فََاؤُ فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) أي رجعوا، ثم قال: وَ إِنْ عَزَمُوا اَلطَّلاََقَ فَإِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (4) و قال: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرىََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِيءَ إِلىََ أَمْرِ اَللََّهِ أي ترجع فَإِنْ فََاءَتْ أي رجعت فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ (5) يعني بقوله: تَفِيءَ أي ترجع، فذلك الدليل على أن الفيء كل راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه، يقال للشمس إذا زالت: قد فاءت، حين يفيء الفيء عند رجوع الشمس إلى زوالها، و كذلك ما أفاء الله على المؤمنين من الكفار،