هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 657 من 914
صفحة
[صفحة 655]
كذبتم و بيت الله يبزى (1) محمد # و لما نطاعن دونه و نناضل
و نسلمه حتى نصرع حوله # و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله و رسوله، و ابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة» . فقال: يا رسول الله، أسخطت علي في هذه الحالة. فقال: «ما سخطت عليك، و لكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك» .
و قال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا و لا تبطروا كما عجل و بطر أبناء ربيعة، عليكم بأهل يثرب، فاجزروهم جزرا، و عليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة، فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها. و كان فتية من قريش أسلموا بمكة، فاحتبسهم آباؤهم، فخرجوا مع قريش إلى بدر و هم على الشك و الارتياب و النفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، و أبو قيس بن الفاكه، و الحارث بن ربيعة، و علي بن أمية بن خلف، و العاص بن المنبه. فلما نظروا إلى قلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم فيقتلون الساعة. فأنزل الله على رسوله:
و جاء إبليس لعنه الله في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم: أنا جار لكم ادفعوا إلي رأيتكم. فدفعوها إليه، و جاء بشياطينه يهول بهم على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و يخيل إليهم و يفزعهم، و أقبلت قريش يقدمها إبليس، معه الراية، فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: «غضوا أبصاركم، و غضوا على النواجذ، و لا تسلوا سيفا حتى آذن لكم» .
ثم رفع يده إلى السماء، فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، و إن شئت أن لا تعبد لا تعبد. ثم أصابه الغشي فسري عنه و هو يسلت (3) العرق عن وجهه، و يقول: «هذا جبرئيل قد أتاكم بألف من الملائكة مردفين» .
قال: فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لائح قد وقعت على عسكر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و قائل يقول: أقدم حيزوم، أقدم حيزوم. و سمعنا قعقعة السلاح من الجو، و نظر إبليس إلى جبرئيل (عليه السلام) فتراجع و رمى باللواء، فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثم قال: ويلك، يا سراقة، تفت في أعضاد الناس، فركله إبليس ركلة في صدره، ثم قال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله. و هو قول الله: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ وَ قََالَ لاََ غََالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ إِنِّي جََارٌ لَكُمْ فَلَمََّا تَرََاءَتِ اَلْفِئَتََانِ نَكَصَ عَلىََ عَقِبَيْهِ وَ قََالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرىََ مََا لاََ تَرَوْنَ إِنِّي أَخََافُ اَللََّهَ وَ اَللََّهُ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ (4) . ثم قال عز و جل: وَ لَوْ تَرىََ إِذْ يَتَوَفَّى اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمَلاََئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبََارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذََابَ اَلْحَرِيقِ (5) .
____________
(1) يبزى: أى يقهر و يغلب، أراد لا يبزى، فحذف (لا) من جواب القسم، و هي مراده، أي لا يقهر و لم نقاتل عنه و ندافع. «النهاية 1: 125» .
(2) الأنفال 8: 49.
(3) أي يمسحه و يزيله. «انظر: المعجم الوسيط-سلت-1: 441» .