هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 829 من 898
صفحة
[صفحة 829]
و صارف الشدائد و البلاء، عند الفهماء و غير الفهماء، المذعنين من عباده لامتناعه بجلاله و كبريائه، و علوه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه ظنانة المخلوقين من أن تحيط بمكنون غيبه رويات عقول الرائين.
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده في ربوبيته و وجوده و وحدانيته، صمدا لا شريك له، فردا لا ظهير له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، اصطفاه و انتجبه و ارتضاه، و بعثه داعيا إلى الحق و سراجا منيرا، و للعباد مما يخافون نذيرا، و لما يأملون بشيرا، فنصح للامة و صدع بالرسالة، و أبان لهم درجات العمالة (1) ، شهادة عليها أمات و أحشر، و بها في الآجلة أقرب و أخر.
و أقول-معشر الخلائق-فاسمعوا، و لكم أفئدة و أسماع فعوا: إنا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام، و اختارنا و اصطفانا و اجتبانا، فأذهب عنا الرجس و طهرنا تطهيرا، و الرجس هو الشك، فلا نشك في الله الحق و دينه أبدا، و طهرنا من كل أفن و غية (2) ، مخلصين إلى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس قط فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما، فأدت الأمور و أفضت الدهور إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) بالنبوة، و اختاره للرسالة، و أنزل عليه كتابه، ثم أمره بالدعاء إلى الله عز و جل، فكان أبي (عليه السلام) أول من استجاب لله تعالى و لرسوله (صلى الله عليه و آله) ، و أول من آمن و صدق الله و رسوله. و قد قال الله تعالى في كتابه المنزل على نبيه المرسل: أَ فَمَنْ كََانَ عَلىََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ (3) فرسول الله (صلى الله عليه و آله) الذي على بينة من ربه، و أبي الذي يتلوه، و هو شاهد منه.
و قد قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أمره أن يسير إلى مكة و الموسم ببراءة: سر بها-يا علي-فإني أمرت أن لا يسير بها إلا أنا أو رجل مني، و أنت هو يا علي. فهو من رسول الله، و رسول الله منه.
و قال له نبي الله (صلى الله عليه و آله) حين قضى بينه و بين أخيه جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) و مولاه زيد بن حارثة في ابنة حمزة: أما أنت-يا علي-فمني و أنا منك، و أنت ولي كل مؤمن بعدي. فصدق أبي رسول الله (صلى الله عليه و آله) سابقا و وقاه بنفسه.
ثم لم يزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) في كل موطن يقدمه، و لكل شديدة يرسله، ثقة منه به، و طمأنينة إليه، لعلمه بنصيحته لله[و رسوله و أنه أقرب المقربين من الله و رسوله، و قد قال الله]عز و جل: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ * `أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (4) فكان أبي سابق السابقين إلى الله عز و جل و إلى رسوله (صلى الله عليه و آله) و أقرب الأقربين، و قد قال الله تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً (5) فأبي كان أولهم إسلاما و إيمانا، و أولهم إلى الله و رسوله هجرة، و لحوقا، و أولهم على وجده و وسعه نفقة.