هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 359 / داخلي 335 من 887
»»
[صفحة 359]
هبط إليكم إنسان نسي عهد ربه، فسماه إنسانا، فأول ما سمع النسر بذلك انفض إلى الحوت و أخبره بذلك ففزع، و قال كل واحد منهما لصاحبه: هذا وقت الوداع بيني و بينك، فويل لأهل البحر و البر من هذا الإنسان.
قال: و بقي آدم (عليه السلام) باكيا ساجدا لله تعالى حتى شربت الطير من دموعه، و نبتت الأشجار و رسخت عروق رجليه في الأرض كما ترسخ الأشجار، و بكت معه السباع، فلما لقيته ولت عنه هاربة، و قالت: نحن سكان الأرض قبلك يا آدم، و قد أفزعتنا و أبكيتنا لبكائك، و أورثتنا حزنا طويلا. فمن ذلك (1) صارت لا تأنس ببني آدم، و يقال: تفرقت عنه جميع الطيور أيضا إلا النسر، فإنه كان يساعده.
ثم أنبت الله له الشعر و اللحية، فكان آدم (عليه السلام) قبل ذلك اليوم أمرد كأنه الفضة البيضاء، فلما نظر آدم (عليه السلام) إلى اللحية، قال: «يا رب، ما هذا الذي لم أعهده منك في الجنة؟» . قال: «هذه لحيتك، غير أنها زينتك، ليعرف الذكر من الأنثى» .
و روي أنه أقام على البكاء ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه نحو السماء، و هو يقول: «بأي وجه أنظر إلى السماء، و هبطت منها عريانا عاصيا؟» فبكت الأنعام و الطيور و السباع، و لقد أبكى الكروبيين و الروحانيين، و قالوا: إلهنا، أقل عثرته فإنه في حرقة من الذنب.
و قال (عليه السلام) : «لو وضع بكاء يعقوب على يوسف، و بكاء جميع الخلق إلى آخر الأبد لرجح بكاء آدم على بكائهم، و ذلك لأنه بقي من دموعه في الأرض بعد أن كف عن البكاء مائة عام، تشرب منه الوحوش و السباع و الطيور، و لدموعه رائحة كرائحة المسك الأذفر، و لذلك كثر الطيب في بلاد الهند» .
فعند ذلك أمر الله تعالى جبرئيل: «أن آدم بديع فطرتي، قد أبكى السماوات السبع و الأرضين السبع، و لم يذكر أحدا غيري و لا يخاف سواي، و لقد أحرقت قلبه خطيئته، و هو أول من عبدني، و أول من دعاني بأسمائي الحسنى، و أنا الرحمن (2) الذي سبقت رحمتي غضبي، و لقد قضيت في سابق علمي أن من دعاني نادما على ذنبه متضرعا، أن تدركه رحمتي، و ها أنا قد خصصته بكلمات تكون له توبة، تخرجه من الظلمات إلى النور» . فنزل بها جبرئيل و له نور، و هو ضاحك مستبشر على آدم (عليه السلام) ، فقال: السلام عليك يا طويل الحزن و البكاء، فلم يسمع آدم (عليه السلام) ذلك لغليان صدره، حتى ناداه بصوت رفيع: السلام عليك يا آدم، قد قبل الله توبتك و غفر لك خطيئتك، ثم أمر بجناحه على صدره و وجهه حتى هذأ من بكائه، و سكن غليان صدره، و سمع الصوت. فقال آدم (عليه السلام) : «و عليك السلام يا خليلي، ابتداء سخط أم ابتداء إحسان و غفران؟» قال جبرئيل: بل ابتداء رحمة و غفران-يا آدم-لقد أبكيت أهل السماوات و الأرضين، فدونك هذه الكلمات، فإنها كلمات التوبة و الرحمة و الغفران.
قيل: هذه الكلمات التي قالها يونس (عليه السلام) في ظلمات ثلاث: