البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 591 / داخلي 560 من 887

[صفحة 591]

هذا نظراء؟قال: بلى، قال: أ فصرت بذلك أنت و هم أنبياء؟قال: لا؛ قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله، على نبوته، فما هو إلا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم و تمشي على الأرض؛ أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس.


و أما قولك يا عبد الله: أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فتأكل منها و تطعمنا و تفجر الأنهار خلالها تفجيرا؟ أ و ليس لك و لأصحابك جنان من نخيل و عنب بالطائف تأكلون و تطعمون منها و تفجرون الأنهار خلالها تفجيرا؟ أ فصرتم أنبياء بهذا؟قال: لا، قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيه إياها على كذبه، لأنه حينئذ يحتج بما لا حجة فيه، و يخدع الضعفاء عن عقولهم و أديانهم. و رسول رب العالمين يجل و يرتفع عن هذا.


ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا عبد الله، و أما قولك: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، فإنك قلت:


وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ سََاقِطاً يَقُولُوا سَحََابٌ مَرْكُومٌ فإن في سقوط السماء عليكم موتكم و هلاككم، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك، و رسول‏ (1) رب العالمين أرحم بك من ذلك، و لا يهلك، لكنه يقيم عليك حجج الله، و ليس حجج الله لنبيه وحده على حسب الاقتراح من عباده، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح، و بما لا يجوز من الفساد، و قد يختلف اقتراحهم و يتضاد حتى يستحيل وقوعه، إذ لو كانت اقتراحاتهم واقعة لجاز أن تقترح أنت أن تسقط السماء عليكم، و يقترح غيرك أن لا تسقط عليكم السماء بل أن ترفع الأرض إلى السماء و تقع السماء عليها، فكان ذلك يتضاد و يتنافى و يستحيل وقوعه، و الله تعالى لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال.


ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : و هل رأيت-يا عبد الله-طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحاتهم؟ و إنما يفعل بهم ما يعلم صلاحهم فيه، أحبه العليل أو كرهه، فأنتم المرضى و الله طبيبكم، فان انقدتم لدوائه شفاكم، و إن تمردتم عليه أسقمكم؛ و بعد، فمتى رأيت-يا عبد الله-مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم-فيما مضى-بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه؟إذن ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى و لا حق، و لا كان بين ظالم و مظلوم و لا بين صادق و كاذب فرق.


ثم قال: يا عبد الله، و أما قولك: أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا يقابلوننا و نعاينهم؛ فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به، إن ربنا عز و جل ليس كالمخلوقين يجي‏ء و يذهب و يتحرك و يقابل شيئا حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، و إنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع و لا تبصر و لا تعلم، و لا تغني عنكم شيئا و لا عن أحد. يا عبد الله، أو ليس لك ضياع و جنان بالطائف و عقار بمكة و قوام عليها؟قال: بلى، قال:


أ فتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك و بين معامليك؟قال: بسفراء، قال: أ رأيت لو قال معاملوك و أكرتك و خدمك لسفرائك: لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي امية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا، أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟قال: لا، قال: فما الذي يجب على سفرائك؟أ ليس أن


____________

(1) (رسول) ليس في «س» .

التالي الأصلية 591داخلي 560/887 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...