هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 593 / داخلي 562 من 887
»»
[صفحة 593]
عليهما، فأوحى الله إليه. يا إبراهيم، اكفف دعوتك عن عبادي و إمائي، أنا الغفور الرحيم، الجبار (1) الحليم، لا تضرني ذنوب عبادي، كما لا تنفعني طاعتهم، و لست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادي و إمائي فإنما أنت عبد نذير، لا شريك لي في المملكة، و لا مهيمن علي، و لا على عبادي، و عبادي معي بين خلال ثلاث: اما أن تابوا إلي فتبت عليهم و غفرت ذنوبهم و سترت عيوبهم، و إما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم، ذريات مؤمنون (2) ، فأرفق بالآباء الكافرين، و أتأنى بالأمهات الكافرات، فأرفع عذابي عنهم ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم، فإذا تزايلوا حل بهم عذابي، و حاق بهم بلائي، فإن لم يكن هذا و لا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم، فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي و كبريائي. يا إبراهيم، خل بيني و بين عبادي فإني أرحم بهم منك، و خل بيني و بين عبادي فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم، ادبرهم بعلمي و انفذ فيهم قضائي و قدري.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إن الله تعالى-يا أبا جهل-إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة، عكرمة (3) ابنك، و سيلي من امور المسلمين ما إن، أطاع الله فيه، كان عند الله جليلا، و إلا فالعذاب نازل عليك، و كذلك سائر قريش السائلين، لما سألوا من هذا، إنما أمهلوا لأن الله علم أن بعضهم سيؤمن بمحمد، و ينال به السعادة، فهو تعالى لا يقتطعه عن تلك السعادة و لا يبخل بها عليه، أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لإيصال ابنه إلى السعادة، و لو لا ذلك لنزل العذاب بكفاتكم، فانظر نحو السماء، فنظر فإذا أبوابها مفتحة، و إذا النيران نازلة منها مسامتة (4) لرءوس القوم تدنو منهم، حتى وجدوا حرها بين أكتافهم، فارتعدت فرائص أبي جهل و الجماعة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : لا تروعنكم، فإن الله لا يهلككم بها، و إنما أظهرها عبرة؛ ثم نظروا فإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها و رفعتها و دفعتها حتى أعادتها في السماء كما جاءت منها. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالإيمان بي منكم من بعد، بعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن و هم يؤمنون» .
99-6561/ (_2) - علي بن إبراهيم: إنها نزلت في عبد الله بن أبي امية أخي ام سلمة (رحمة الله عليها) ، و ذلك أنه قال هذا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) بمكة قبل الهجرة، فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى فتح مكة استقبله عبد الله بن أبي امية فسلم على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلم يرد عليه السلام، فأعرض عنه فلم يجبه بشيء، و كانت أخته أم سلمة
____________
(_2) -تفسير القمّي 2: 26.
(1) في المصدر: الحنّان.
(2) في «س» : يؤمنون.
(3) عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القريشي، من صناديد قريش في الجاهلية و الإسلام. كان هو و أبوه من أشدّ الناس عداوة للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ، و أسلم عكرمة بعد فتح مكّة، فشهد الوقائع، و ولي الأعمال، و ولي الأعمال، و قتل في اليرموك أو يوم برج الصفر، سنة 13: هـ. الطبقات الكبرى 7: 404، صفة الصفوة 1: 730/111، سير أعلام النبلاء 1: 323/66، الإصابة 2: 496.
(4) سامته مسامتة: قابله و وازاه. «تاج العروس-سمت-1: 555» .