هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 652 / داخلي 618 من 887
»»
[صفحة 652]
في تابوته، و جميع العلم قد كتب له في الألواح، كما يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء و علماء، و أنهم قد أثبتوا جميع العلم و الفقه في الدين مما تحتاج هذه الامة إليه، و صح لهم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و علموه و حفظوه، و ليس كل علم رسول الله (صلى الله عليه و آله) علموه، و لا صار إليهم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لا عرفوه، و ذلك أن الشيء من الحلال و الحرام و الأحكام يرد عليهم فيسألون عنه، و لا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، و يكرهون أن يسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرأي و القياس في دين الله، و تركوا الآثار، و دانوا الله بالبدع، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : كل بدعة ضلالة.
فلو أنهم إذا سئلوا عن شيء من دين الله، فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله، ردوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم-من آل محمد (عليهم السلام) -و الذي منعهم من طلب العلم منا العداوة و الحسد لنا، لا و الله ما حسد موسى (عليه السلام) العالم-و موسى نبي الله يوحي الله إليه-حيث لقيه و استنطقه و عرفه بالعلم، و لم يحسده كما حسدتنا هذه الامة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ما علمنا و ما ورثنا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى (عليه السلام) إلى العالم و سأله الصحبة، ليتعلم منه، و يرشده، فلما أن سأل العالم ذلك، علم العالم أن موسى (عليه السلام) لا يستطيع صحبته، و لا يحتمل علمه، و لا يصير معه، فعند ذلك قال العالم: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلىََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فقال موسى (عليه السلام) له، و هو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله: سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً و قد كان العالم يعلم أن موسى (عليه السلام) لا يصبر على علمه.
فكذلك-و الله، يا إسحاق بن عمار-حال قضاة هؤلاء و فقهائهم و جماعتهم اليوم، لا يحتملون-و الله-علمنا و لا يقبلونه و لا يطيقونه، و لا يأخذون به، و لا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى (عليه السلام) على علم العالم حين صحبه و رأى ما رأى من علمه، و كان ذلك عند موسى (عليه السلام) مكروها، و كان عند الله رضا و هو الحق، و كذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ، و هو عند الله الحق» .
99-6722/ (_16) - عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن موسى (عليه السلام) صعد المنبر، و كان منبره ثلاث مراق (1) ، فحدث نفسه أن الله لم يخلق خلقا أعلم منه، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: إنك قد ابتليت، فانزل فإن في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه؛ فأرسل إلى يوشع: إني قد ابتليت، فاصنع لنا زادا و انطلق بنا؛ فاشترى حوتا من الحيتان الحية، فخرج بأذربيجان، ثم شواه، ثم حمله في مكتل، ثم انطلقا يمشيان في ساحل البحر، و النبي إذا مر في مكان لم يعي أبدا حتى يجوز ذلك الوقت» .
قال: فبينما هما يمشيان إذ انتهيا إلى شيخ مستلق، معه عصاه موضوعة إلى جانبه، و عليه كساء إذا قنع رأسه
____________
(_16) -تفسير العيّاشي 2: 332/47.
(1) المرقاة: الدرجة، واحدة من مراقي الدّرج. «لسان العرب-رقا-14: 332» .