هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 345 من 944
صفحة
[صفحة 349]
يا آدم، أنت عندي أكرم من ملائكتي إذا أطعتني و رعيت عهدي، و لم تكن جبارا كفورا. و في كل ذلك يقبل الأمانة و العهد، و لا يسأل ربه التوفيق و العصمة، و شهد الملائكة عليه.
ثم مكث آدم (عليه السلام) و حواء مكللين متوجين مكرمين لما دخلا الجنة حتى كانا في وسط جنات عدن، نظر آدم و إذا هو بسرير من جوهر، له سبعمائة قائمة من أنواع الجواهر، و له سرادقات (1) كثيرة، و على ذلك السرير فرش من السندس و الإستبرق، و بين الفراشين كثبان من المسك و الكافور و العنبر، و على السرير أربع قباب: فيه الرضوان و الغفران و الخلد و الكرم، فناداه السرير: إلي يا آدم، فلك خلقت، و لك زينت. فنزل آدم عن فرسه، و حواء عن ناقتها، و جلسا على السرير بعد أن طافا على جميع نواحي الجنة، ثم قدم لهما من عنب الجنة و فواكهها فأكلا منها، ثم تحولا إلى قبة الكرم، و هي أزين القباب، و عن يمين السرير يومئذ جبل من مسك، و عن يساره جبل من عنبر، و شجرة طوبى قد أظلت على السرير، فأحب أدم (عليه السلام) أن يدنو من حواء، فأسبلت القباب ستورها، و انظمت الأبواب، و تغشاها و كان معها كأهل الجنة في الجنة خمسمائة عام من أعوام الدنيا في أتم السرور و أنعم الأحوال. و كان آدم (عليه السلام) ينزل عن السرير، و يمشي في منابر الجنة، و حواء خلفه تسحب سندسها، و كلما تقدما من قصر نثرت عليهما من ثمار الجنة حتى يرجعا إلى السرير، و إبليس (لعنه الله) خائف لما جرى عليه من طعنهم له بالحراب و رجمهم إياه، و صار مختفيا عن آدم (عليه السلام) و حواء، فبينما هو كذلك و إذا هو بصوت عال: يا أهل السماوات، قد سكن آدم و حواء الجنة بالعهد و الميثاق، و أبحت لهما جميع ما في الجنة إلا شجرة الخلد، فإن قرباها و أكلا منها كانا من الظالمين» .
قال: «فلما سمع إبليس اللعين ذلك فرح فرحا شديدا، و قال: لأخرجنهما من الجنة. ثم أتى مستخفيا في طرق السماوات. حتى وقع على باب الجنة، و إذا بالطاوس و قد خرج من الجنة، و له جناحان، إذا نشر أحدهما غطى به سدرة المنتهى، و له ذنب من زمردة صفراء، و هو من الجواهر، و على كل جوهر منه ريشة بيضاء، و هو أطيب طيور الجنة صوتا و تغريدا، و أحسنها ألحانا بالتسبيح و الثناء لله رب العالمين، و كان يخرج في وقت و يمر صفح (2) السماوات السبع، يخطر في مشيه، و يرجع في تسبيحه، فيعجب جميع الملائكة من حسن صورته و تسبيحه، فيرجع إلى الجنة. فلما رآه إبليس دعا به بكلام لين، و قال: أيها الطائر العجيب الخلقة، حسن الألوان، طيب الصوت، أي طائر أنت من طيور الجنة؟قال: أنا طاوس الجنة، و لكن مالك-أيها الشخص-مذعور، كأنك تخاف طالبا يطلبك؟فقال إبليس: أنا ملك من ملائكة الصفيح (3) الأعلى، مع الملائكة الكروبين الذين لا يفترون عن التسبيح ساعة و لا طرفة عين، جئت أنظر إلى الجنة و إلى ما أعد الله لأهلها فيها، فهل لك أن تدخلني الجنة و أعلمك ثلاث كلمات، من قالهن لا يهرم و لا يسقم و لا يموت؟فقال الطاوس: و يحك-أيها الشخص-أهل الجنة يموتون؟قال إبليس: نعم، يموتون و يهرمون و يسقمون إلا من كانت عنده هذه الكلمات. و حلف على ذلك، فوثق
____________
(1) السرادقات: جمع سرادق، ما أحاط بالبناء. «لسان العرب-سردق-10: 157» .