هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 347 من 944
صفحة
[صفحة 351]
تحت الشجرة، فأقبلت حواء فرأته، فلما قربت منه، نادته: أيها الشخص، من أنت؟قال: أنا خلق من خلق الله تعالى، و أنا في هذه الجنة منذ ألف عام، خلقني كما خلقكما بيده، و نفخ في روحه، و أسجد لي ملائكته و أسكنني جنته، و نهاني عن أكل هذه الشجرة، فكنت لا آكل منها حتى نصحني بعض الملائكة، و قال لي: كل منها، فإن من أكل منها كان مخلدا في الجنة أبدا؛ و حلف لي أنه لمن الناصحين، فوثقت بيمينه و أكلت منها، فأنا في الجنة إلى يومي هذا كما ترين، و قد أمنت من الهرم و السقم و الموت و الخروج من الجنة. فقال لها إبليس بعد ما حكى لها:
و الله ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. فناداها: يا حواء، كلي منها، فإنها أطيب ما أكلت من ثمار الجنة، فأسرعي إليها و اسبقي زوجك، فإن من سبق كان له الفضل على صاحبه، أما تنظرين إلي كيف آكل منها؟هذا و الحية واقفة تسمع ما يقول إبليس (لعنه الله) لحواء، فالتفتت حواء للحية، و قالت: أنت معي منذ أدخلني الله الجنة، و لم تخبريني بهذا الكلام؟!و سكتت الحية، و لم تدر ما يقول إبليس اللعين في جواب حواء (1) ، و رغبت عن الكلام، و ما كان من أمرها الذي قد ضمن لها إبليس أن يعلمها الثلاث كلمات.
فأقبلت حواء إلى آدم (عليه السلام) ، و كانت مسرورة بقول الحية لها، و مقالة إبليس تحت الشجرة، و أخبرته بخبر الحية و الشخص و قد حلف لهما نصحا، و ذلك قوله تعالى: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ (2) و قرب القدر المقدور و القضاء المبرم، و خروجهم من الجنة، و هو الأمر المحتوم، فركنا جميعا إلى قول إبليس اللعين و قسمه فتقدمت حواء إلى تلك الشجرة، و لها أغصان لا تحصى، و على الأغصان سنابل، كل حبة منها مثل القلة، و لها رائحة كالمسك الأذفر، أشد بياضا من اللبن، و أحلى من العسل، فأخذت سبع سنابل من سبعة أغصان، فقال اللعين: كلي منها يا حواء، يا زينة الجنة. فأكلت واحدة، و ادخرت لها واحدة، و جاءت بخمس منها إلى آدم (عليه السلام) ، و لم يكن لآدم (عليه السلام) في ذلك أمر و لا نهي، بل كان ذلك في سابق علم الله تعالى حين افتخرت السماء على الأرض، و شكت الأرض إلى ربها، و قال: يا أرض اسكني. و قال للملائكة: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً (3) . فتناول آدم (عليه السلام) من السنابل سنبلة واحدة من يدها، و قد نسي العهد المأخوذ عليه، فذلك قوله تعالى: فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (4) ، أي جزما-قال-فذاق آدم (عليه السلام) من الشجرة كما ذاقت حواء، فذلك قوله تعالى: فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمََا سَوْآتُهُمََا (5) .
99-5844/ (_8) - و عنه: قال ابن عباس (رضي الله عنه) سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: «و الذي نفسي بيده، ما ساغ آدم (عليه السلام) من تلك السنابل إلا سنبلة واحدة حتى طار التاج عن رأسه، و تعارى من لباسه، و انتزعت