البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 352 من 932

صفحة
[صفحة 352]

خواتيمه، و سقط كل ما كان على حواء من لباسها، و حليها، و زينتها، و كل شي‏ء طار عنها، و ناداه لباسه و تاجه: يا آدم، طال حزنك، و كثرت حسرتك، و عظمت مصيبتك، فعليك السلام، و هذه الساعة الفراق إلى يوم التلاق، فإن رب العزة عهد إلينا أن لا نكون إلا على عبد مطيع خاشع. و انتفض السرير من فراشه و طار في الهواء، و هو ينادي:


آدم المصطفى قد عصى الرحمن و أطاع الشيطان، و حواء قد انتفضت ذوائبها عنها، و ما كان فيها من الدهر و الجواهر و اللؤلؤ، و انحلت المنطقة من وسطها، و هي تقول: لقد عظمت مصيبتكما و طال حزنكما، و لم يبق عليهما من لباسهما شي‏ء وَ طَفِقََا أي أقبلا: يَخْصِفََانِ عَلَيْهِمََا أي يرقعان عليهما مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ أي ورق التين وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمََا إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمََا عَدُوٌّ مُبِينٌ (1) .


قال ابن عباس: إن الله تعالى حذر أولاد آدم كما حذر آدم (عليه السلام) في قوله تعالى: يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا (2) . قال: و جعل كل واحد منهما ينظر إلى عورة صاحبه، و هرب إبليس مبادرا، و صار مختفيا في بعض طرق السماوات، و لم يبق شي‏ء إلا نادى آدم: يا عاصي.


و غض أهل الجنة أبصارهم عنهما، و قالوا: أخرجتما من جنتكما!و ناداه فرسه الميمون-و قد خلقه الله من مسك الجنة و جميع طيبها من الكافور و الزعفران و العنبر و غير ذلك، و عجن بماء الحيوان، و عرفه من المرجان، و ناصيته من الياقوت، و حافره من الزبرجد الأخضر، و سرجه من الزمرد، و لجامه من الياقوت، و له أجنحة من أنواع الجواهر، و ليس في الجنة دابة أحسن من فرس آدم (عليه السلام) إلا البراق، قال النبي (صلى الله عليه و آله) : «فضل البراق على سائر دواب الجنة، كفضلي على سائر النبيين» ، و قال ابن عباس: قد خلق الله الميمون فرس آدم (عليه السلام) قبل أن يخلق آدم (عليه السلام) بخمسمائة عام-: يا آدم، هكذا العهد بينك و بين الله تعالى؟! و انقبضت أشجار الجنة عنهما حتى لم يتمكنا أن يستترا بشي‏ء منها، فكلما قرب من شجرة، نادته: إليك عنى يا عاصي. فلما كثرت عليه الملامة و التوبيخ، مر هاربا، و إذا هو بشجرة الطلح قد التفت على ساقيه فمسكته بأغصانها، و نادته إلى أين تهرب، يا عاصي؟فوقف آدم فزعا مرعوبا مبهوتا، و ظن أن العذاب قد أتاه، و جعل ينادي: الأمان، الأمان، و حواء مجتهدة أن تستر نفسها بشعرها، و هو ينكشف عنها، فلما أكثرت عليه، ناداها: يا بادية السوء، هل تقدرين على أن تستري بي، و قد عصيت ربك؟فقعدت حواء عند ذلك، و وضعت ذقنها على ركبتها كيلا يراها أحد، و هي تحت الشجرة و آدم واقف قد قبضت عليه شجرة الطلح.


قال ابن عباس: فنودي جبرئيل: «ألا ترى إلى بديع فطرتي آدم، كيف عصاني؟يا جبرئيل، ألا ترى إلى حواء أمتي، كيف عصتني، و طاوعت عدوي إبليس؟» فاضطرب جبرئيل الأمين لما سمع نداء رب العالمين، و داخله الخوف و خر ساجدا، و حملة العرش قد سكنت حركاتهم، و هم يقولون: سبحانك، قدوس قدوس، سبوح سبوح، الأمان الأمان. فأخذ جبرئيل (عليه السلام) يعد على آدم (عليه السلام) ما أنعم الله تعالى به عليه، و يعاتبه على المعصية،


____________


(1) الأعراف 7: 22.

(2) الأعراف 7: 27.

التالي ص 352/932 — الأصلية 352 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...