هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 354 من 932
صفحة
[صفحة 354]
يجيبونه بمساكنهم، و معايشهم، و أوكارهم، و أعشاشهم، و كيف تبيض، و كيف تحيض، و كان آخر من تقدم بين يديه الديك، فوقف بين يديه في حسنه و جماله و بهائه، و مد عنقه، و ضرب بجناحه، و صاح صيحة أسمع الملائكة و الطيور و جميع من حضر: يا غافلين، اذكروا الله. ثم قال: يا نبي الله، إني كنت مع أبيك آدم (عليه السلام) أوقظه لوقت الصلاة، و كنت مع نوح (عليه السلام) في الفلك، و كنت مع إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، حين أظفره الله بعدوه نمرود، و نصره عليه بالبعوض (1) ، و كنت أكثر ما أسمع أباك إبراهيم (عليه السلام) (2) يقرأ آية الملك: قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ (3) إلى آخر الآية، و أعلم يا نبي الله، أني لا أصيح صيحة في ليل أو نهار إلا أفزعت بها الجن و الشياطين، و أما إبليس فإنه يذوب كما يذوب الرصاص في النار.
قال: ثم أتي بالحية، و قد جذبتها الملائكة جذبة هائلة، و قد قطعوا يديها و رجليها، و إذا هي مسحوبة على وجهها، مبطوحة على بطنها، لا قوائم لها، و صارت ممدودة، و منعت النطق فصارت خرساء مشقوقة اللسان، فقالت لها الملائكة: لا رحمك الله تعالى و لا رحم الله من يرحمك، و نظر إليها آدم و حواء، و الملائكة يرجمونها من كل ناحية.
و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) : أنه قال: «من قتل الحية فله سبع حسنات، و من تركها و لم يقتلها مخافة شرها لم يكن في ذلك له أجر، و من قتل وزغا (4) فله حسنة، و من قتل حية فله حسنات مضاعفة» .
و قال ابن عباس (رضي الله عنه) : قتل حية أحب إلي من قتل كافر.
قال: ثم اخرج آدم (عليه السلام) من الجنة، و أبرزه جبرئيل إلى السماوات، و حجبت عنه حواء فلم يرها و نظرت الملائكة إلى آدم (عليه السلام) و هو عريان، ففزعت منه، و جعلت تقول: إلهنا، و هذا آدم بديع فطرتك، أقله و لا تخذله.
و آدم (عليه السلام) قد وضع يده اليمنى على باب الجنة (5) ، و اليسرى على سوأته، و دموعه تجري على خديه، فوقف آدم (عليه السلام) ، و ناداه الرب جل و علا: «يا آدم» . قال: «لبيك يا ربي و سيدي و مولاي و خالقي، تراني و لا أراك، و أنت علام الغيوب» . قال الله تعالى: «يا آدم، قد سبق في علمي، إذا تاب العاصي تبت عليه، و أتفضل عليه برحمتي. يا آدم، ما أهون الخلق علي إذا عصوني، و ما أكرمهم علي إذا أطاعوني» .
فقال آدم (عليه السلام) : «بحق من هو الشرف الأكبر، إلا ما أقلت عثرتي، و عفوت عني» فأتاه النداء، «يا آدم، من الذي سألتني بحقه؟» .
فقال آدم (عليه السلام) : «إلهي و سيدي و مولاي و ربي، هذا صفيك و حبيبك و خاصتك و خالصتك و رسولك محمد بن عبد الله، فلقد رأيت اسمه مكتوبا على العرش، و في اللوح المحفوظ، و على صفح السماوات، و على
____________
(1) (بالبعوض) : ليس في المصدر.
(2) في المصدر: آدم.
(3) آل عمران 3: 26.
(4) الوزغ: حيوان صغير يقال له: سام أبرص. «مجمع البحرين-وزغ-5: 18» .