البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 415 من 932

صفحة
[صفحة 415]

أمانة، و لا أشبهوكم في الصور، و ليس شي‏ء أشد (1) على المؤمن من أن يرى صورة عدوه مثل صورته» .


قلت: يا بن رسول الله، فما صنع بالطينتين؟ قال: «مزج بينهما بالماء الأول و الماء الثاني، ثم عركها عرك الأديم، ثم أخذ من ذلك قبضة، فقال: هذه إلى الجنة و لا ابالي؛ و أخذ قبضة اخرى، و قال: هذه إلى النار و لا ابالي؛ ثم خلط بينهما، فوقع من سنخ المؤمن و طينته على سنخ الكافر و طينته، و وقع من سنخ الكافر و طينته على سنخ المؤمن و طينته. فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صيام أو حج أو جهاد، أو جناية (2) ، أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة الناصب و عنصره الذي قد مزج فيه، لأن من سنخ الناصب و عنصره و طينته اكتساب المآثم و الفواحش و الكبائر، و ما رأيت من الناصب، و مواظبته على الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و الجهاد و أبواب البر، فهو من طينة المؤمن و سنخه الذي قد مزج فيه، لأن من سنخ المؤمن و عنصره و طينته اكتساب الحسنات و استعمال الخير و اجتناب المآثم.


فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله عز و جل، قال: أنا عدل لا أجور، و منصف لا أظلم، و حكم لا أحيف و لا أميل و لا أشطط، ألحقوا الأعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب و طينته، و ألحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن و طينته، ردوها كلها إلى أصلها، فإني أنا الله لا إله إلا أنا عالم السر و أخفى، و أنا المطلع على قلوب عبادي، لا أحيف و لا أظلم، و لا الزم أحدا إلا بما عرفته منه قبل أن أخلقه» .


ثم قال الباقر (عليه السلام) : «يا إبراهيم، اقرأ هذه الآية» قلت: يا بن رسول الله، أية آية؟قال: «قوله تعالى: قََالَ مَعََاذَ اَللََّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاََّ مَنْ وَجَدْنََا مَتََاعَنََا عِنْدَهُ إِنََّا إِذاً لَظََالِمُونَ (3) هو في الظاهر ما تفهمونه، و هو-و الله-في الباطن هذا بعينه. يا إبراهيم، إن للقرآن ظاهرا و باطنا، و محكما و متشابها، و ناسخا و منسوخا» .


ثم قال: «أخبرني-يا إبراهيم-عن الشمس إذا طلعت، و بدأ شعاعها في البلدان، أهو بائن من القرص؟» قلت: في حال طلوعه بائن. قال: «أليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه؟» قلت: نعم.


قال: «كذلك يعود كل شي‏ء إلى سنخه و جوهره و أصله، فإذا كان يوم القيامة، نزع الله عز و جل سنخ الناصب و طينته مع أثقاله و أوزاره من المؤمن، فيلحقها كلها بالناصب، و ينزع سنخ المؤمن و طينته مع حسناته و أبواب بره و اجتهاده من الناصب، فيلحقها كلها بالمؤمن، أفترى ها هنا ظلما أو عدوانا؟» قلت: لا، يا بن رسول الله.


قال: «هذا-و الله-القضاء الفاصل، و الحكم القاطع، و العدل البين، لا يسأل عما يفعل و هم يسألون، هذا-يا إبراهيم-الحق من ربك، فلا تكن من الممترين، و هذا من حكم الملكوت» .


قلت: يا بن رسول الله، و ما حكم الملكوت؟ قال: «حكم الله و حكم أنبيائه، و قصة الخضر و موسى (عليهما السلام) حين استصحبه، فقال: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً*


____________


(1) في المصدر: أكبر.

(2) في المصدر: أو خيانة.

(3) يوسف 12: 79.

التالي ص 415/932 — الأصلية 415 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...