البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 646 من 932

صفحة
[صفحة 646]

الخضر: إن القياس لا مجال له في علم الله و أمره وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ؟قال له موسى:


سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً فلما استثنى المشيئة قبله. قال: فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلاََ تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتََّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فقال موسى (عليه السلام) : لك ذلك علي. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها الخضر (عليه السلام) ، فقال له موسى (عليه السلام) : أَ خَرَقْتَهََا لِتُغْرِقَ أَهْلَهََا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قال: أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ؟!قال موسى (عليه السلام) : لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ أي بما تركت من أمرك وَ لاََ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً .


فَانْطَلَقََا حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ الخضر (عليه السلام) ، فغضب موسى (عليه السلام) و أخذ بتلابيبه و قال له:


أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ؟!قال له الخضر: إن العقول لا تحكم على أمر الله تعالى ذكره، بل أمر الله يحكم عليها، فسلم لما ترى مني و اصبر عليه، فقد كنت علمت أنك لن تستطيع معي صبرا. قال موسى (عليه السلام) : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَهََا فَلاََ تُصََاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً .


فَانْطَلَقََا حَتََّى إِذََا أَتَيََا أَهْلَ قَرْيَةٍ و هي الناصرة، و إليها تنسب النصارى اِسْتَطْعَمََا أَهْلَهََا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمََا فَوَجَدََا فِيهََا جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فوضع الخضر (عليه السلام) يده عليه فأقامه فقال له موسى (عليه السلام) :


لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ؟قال له الخضر (عليه السلام) : هََذََا فِرََاقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مََا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فقال: أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكََانَتْ لِمَسََاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهََا وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْباً فأردت بما فعلت أن تبقى لهم، و لا يغصبهم الملك عليها، فنسب إلا بانة (1)


في هذا الفعل إلى نفسه لعلة ذكر التعييب، لأنه أراد أن يعيبها عند الملك حتى إذا شاهدها فلا يغصب المساكين عليها، و أراد الله عز و جل صلاحهم بما أمره به من ذلك.


ثم قال: وَ أَمَّا اَلْغُلاََمُ فَكََانَ أَبَوََاهُ مُؤْمِنَيْنِ فطبع‏ (2) كافرا، و علم الله تعالى ذكره أنه إن بقي كفر أبواه و افتتنا به و ضلا بإضلاله إياهما، فأمرني الله تعالى ذكره بقتله، و أراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة، فاشترك‏ (3)


في الإبانة بقوله: فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََاناً وَ كُفْراً* `فَأَرَدْنََا أَنْ يُبْدِلَهُمََا رَبُّهُمََا خَيْراً مِنْهُ زَكََاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً و إنما اشترك في الإبانة لأنه خشي، و الله لا يخشى لأنه لا يفوته شي‏ء، و لا يمتنع عليه أحد أراده، و إنما خشي الخضر من أن يحال بينه و بين ما أمر فيه فلا يدرك ثواب الإمضاء فيه، و وقع في نفسه أن الله تعالى ذكره جعله سببا لرحمة أبوي الغلام، فعمل فيه وسط الأمر من البشرية مثل ما كان عمل في موسى (عليه السلام) ، لأنه صار في الوقت مخبرا، و كليم الله موسى (عليه السلام) مخبرا، و لم يكن ذلك باستحقاق الخضر (عليه السلام) للرتبة على موسى (عليه السلام) و هو أفضل من الخضر، بل كان لاستحقاق موسى للتبيين.


ثم قال: وَ أَمَّا اَلْجِدََارُ فَكََانَ لِغُلاََمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كََانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمََا وَ كََانَ أَبُوهُمََا صََالِحاً و لم


____________


(1) في المصدر في جميع المواضع: الأنانيّة، و الظاهر أنّ المراد الإرادة.

(2) في «ق» و «ج» : فطلع.

(3) في «ق» و «ط» : فأشرك، في الموضعين.

التالي ص 646/932 — الأصلية 646 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...