هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 677 من 932
صفحة
[صفحة 677]
المؤمنين، من هذا الذي يده في المغرب، و يده الاخرى في المشرق؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «هذا الملك الذي وكله الله تعالى بظلمة الليل وضوء النهار، و لا يزول إلى يوم القيامة، و إن الله تعالى جعل أمر الدنيا إلي، و إن أعمال العباد تعرض علي في كل يوم، ثم ترفع إلى الله تعالى» .
ثم سرنا حتى وقفنا على سد يأجوج و مأجوج فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للريح «اهبطي بنا مما يلي هذا الجبل» و أشار بيده إلى جبل شامخ في العلو، و هو جبل الخضر (عليه السلام) ، فنظرنا إلى السد، و إذا ارتفاعه ما يحد البصر، و هو أسود كقطعة الليل الدامس (1) يخرج من أرجائه الدخان، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «يا أبا محمد، أنا صاحب هذا الأمر على هؤلاء العبيد» ، قال سلمان: فرأيت أصنافا ثلاثة طول أحدهم مائة و عشرون ذراعا، و الثاني طول كل واحد منهم ستون ذراعا، و الثالث يفرش أحد أذنيه تحته، و الاخرى يلتحف بها.
ثم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر الريح فسارت بنا إلى جبل قاف (2) ، فانتهينا إليه و إذا هو من زمردة خضراء، و عليها ملك على صورة النسر، ثم نظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال الملك: السلام عليك، يا وصي رسول رب العالمين و خليفته، أ تأذن لي في الرد؟فرد (عليه السلام) ، و قال له: «إن شئت تكلم، و إن شئت أخبرتك عما تسألني عنه» . فقال الملك: بل تقول يا أمير المؤمنين. قال: «تريد أن آذن لك أن تزور الخضر (عليه السلام) » . فقال: نعم. قال: «قد أذنت لك» فأسرع الملك بعد أن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم تمشينا على الجبل هنيئة، فإذا بالملك قد عاد إلى مكانه بعد زيارة الخضر (عليه السلام) ، فقال سلمان: يا أمير المؤمنين، رأيت الملك ما زار الخضر إلا حين أخذ إذنك؟فقال (عليه السلام) : «و الذي رفع السماء بغير عمد، لو أن أحدهم رام أن يزول من مكانه بقدر نفس واحد لما زال حتى آذن له، و كذلك يصير حال ولدي (3) الحسن، و بعده الحسين، و تسعة من ولد الحسين، تاسعهم قائمهم» .
فقلنا: ما اسم الملك الموكل بقاف؟فقال (عليه السلام) : «ترجائيل (4) » .
فقلنا: يا أمير المؤمنين، كيف تأتي كل ليلة إلى هذا الموضع و تعود؟فقال: «كما أتيت بكم، و الذي فلق الحبة و برأ النسمة، إني لأملك ملكوت السماوات و الأرض، ما لو علمتم ببعضه لما أحتمله جنانكم، إن اسم الله الأعظم ثلاث و سبعون حرفا، و كان عند آصف بن برخيا حرف واحد، فتكلم به فخسف الله تعالى ما بينه و بين عرش بلقيس، حتى تناول السرير، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرف النظر، و عندنا نحن-و الله-اثنان و سبعون حرفا، و حرف واحد عند الله تعالى أستأثر به في علم الغيب، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، عرفنا من عرفنا، و أنكرنا من أنكرنا» .
ثم قام (عليه السلام) : و قمنا، و إذا نحن بشاب في الجبل يصلي بين قبرين، فقلنا: يا أمير المؤمنين، من هذا الشاب؟فقال (عليه السلام) : «صالح النبي (عليه السلام) ، و هذان القبران لامه و أبيه، و إنه يعبد الله بينهما، فلما نظر إليه
____________
(1) دمس الظلام: أي اشتدّ، و ليل دامس، أي مظلم. «مجمع البحرين-دمس-4: 71» .
(2) قاف: قيل: هو الجبل المحيط بالأرض. «معجم البلدان 4: 298» .