هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 680 من 890
صفحة
[صفحة 715]
فقال: رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه، فيكون هلاكنا على يديه، و لا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به. فعجب من ذلك نمرود، و قال: هل حملت به النساء؟فقال: لا، و كان فيما اوتي به من العلم أنه سيحرق بالنار، و لم يكن اوتي أن الله تعالى سينجيه-قال-فحجب النساء عن الرجال، فلم يترك امرأة إلا جعلت (1) بالمدينة، حتى لا يخلص إليهن الرجال» .
قال: «و باشر أبو إبراهيم امرأته (2) فحملت به، فظن أنه صاحبه، فأرسل إلى النساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلا علمن به، فنظرن إلى ام إبراهيم، فألزم الله تبارك و تعالى ذكره ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى شيئا في بطنها.
فلما وضعت ام إبراهيم به، أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود، فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله، دعني أذهب به إلى بعض الغيران (3) ، أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله، و لا تكون أنت تقتل ابنك، فقال لها:
فاذهبي به فذهبت به إلى غار، ثم أرضعته، ثم جعلت على باب الغار صخرة، ثم انصرفت عنه، فجعل الله عز و جل رزقه في إبهامه، فجعل يمصها فيشرب لبنا، و جعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة، و يشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر، و يشب في الشهر كما يشب غيره في السنة، فمكث ما شاء الله أن يمكث.
ثم إن امه قالت لأبيه: لو أذنت لي أن أذهب إلى ذلك الصبي فأراه، فعلت، قال: فافعلي. فأتت الغار، فإذا هي بإبراهيم (عليه السلام) ، و إذا عيناه تزهران كأنهما سراجان، فأخذته و ضمته إلى صدرها، و أرضعته، ثم انصرفت عنه، فسألها أبوه عن الصبي، فقالت له: قد واريته في التراب، فمكثت تعتل و تخرج في الحاجة و تذهب إلى إبراهيم (عليه السلام) ، فتضمه إليها، و ترضعه ثم تنصرف.
فلما تحرك أتته امه كما كانت تأتيه، و صنعت كما كانت تصنع، فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها، فقالت له:
مالك؟فقال لها: اذهبي بي معك، فقالت له: حتى استأمر أباك، فلم يزل إبراهيم (عليه السلام) في الغيبة مخفيا لشخصه، كاتما لأمره حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره، و أظهر الله تعالى قدرته فيه، ثم غاب (عليه السلام) الغيبة الثانية، و ذلك حين نفاه الطاغوت عن المصر، فقال: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسىََ أَلاََّ أَكُونَ بِدُعََاءِ رَبِّي شَقِيًّا قال الله جل ذكره فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَ مََا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنََا نَبِيًّا* `وَ وَهَبْنََا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنََا وَ جَعَلْنََا لَهُمْ لِسََانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يعني به علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، لأن إبراهيم (عليه السلام) كان قد دعا الله عز و جل أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، فجعل الله تبارك و تعالى له و لإسحاق و يعقوب لسان صدق عليا، فأخبر علي (عليه السلام) بأن القائم (عليه السلام) هو الحادي عشر من ولده، و أنه المهدي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و أنه تكون له غيبة و حيرة يضل فيها أقوام،
____________
(1) (إلاّ جعلت) ليس في «ي» .
(2) في المصدر و «ط» نسخة بدل: و وقع أبو إبراهيم على امرأته.
(3) الغّار: كالكهف في الجبل، و الجمع غير ان. «الصحاح-غور-2: 773» .