هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 692 من 944
صفحة
[صفحة 678]
صالح، لم يتمالك نفسه حتى بكى، و أومأ بيده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ثم عاد إلى صلاته و هو يبكي، فوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عنده حتى فرغ من صلاته، فقلنا له: مم بكاؤك؟فقال صالح: «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمر بي عند كل غداة، فيجلس، فتزداد عبادتي بنظري إليه، فقطع ذلك منذ عشرة أيام، فأقلقني ذلك» فتعجبنا من ذلك.
فقال (عليه السلام) : «تريدون أن أريكم سليمان بن داود (عليه السلام) » ؟فقلنا: نعم فقام و نحن معه، فدخل بنا بستانا ما رأينا أحسن منه، و فيه من جميع الفواكه و الأعناب، و أنهاره تجري، و الأطيار يتجاوبن على الأشجار، فحين رأته الأطيار، أتت ترفرف حوله حتى توسطنا البستان، و إذا سرير عليه شاب ملقى على ظهره، واضع يده على صدره، فأخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) الخاتم من جيبه و جعله في إصبع سليمان (عليه السلام) ، فنهض قائما، و قال: «السلام عليك يا أمير المؤمنين، و وصي رسول رب العالمين، أنت و الله الصديق الأكبر، و الفاروق الأعظم، قد أفلح من تمسك بك، و قد خاب و خسر من تخلف عنك، و إني سألت الله تعالى بكم أهل البيت، فأعطيت ذلك الملك» .
قال سلمان: فلما سمعنا كلام سليمان بن داود (عليه السلام) ، لم أتمالك نفسي حتى وقعت على أقدام أمير المؤمنين (عليه السلام) أقبلها، و حمدت الله تعالى على جزيل عطائه، بهدايته إلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ، الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و فعل أصحابي كما فعلت، ثم سألت أمير المؤمنين (عليه السلام) : و ما وراء قال؟قال (عليه السلام) : «وراءه مالا يصل إليكم علمه» .
فقلنا: تعلم ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال (عليه السلام) : «علمي بما وراءه كعلمي بحال هذه الدنيا و ما فيها» و إني الحفيظ الشهيد عليها بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و كذلك الأوصياء من ولدي بعدي» .
ثم قال (عليه السلام) : «إني لأعرف بطرق السماوات من طرق الأرض، نحن الاسم المخزون المكنون، نحن الأسماء الحسنى التي إذا سئل الله تعالى به أجاب، نحن الأسماء المكتوبة على العرش و الكرسي و الجنة و النار، و منا تعلمت الملائكة التسبيح و التقديس، و التوحيد و التهليل و التكبير، و نحن الكلمات التي تلقاها آدم (عليه السلام) من ربه، فتاب عليه» .
قال: «أ تريدون أن أريكم عجبا؟» قلنا: نعم. قال: «غضوا أعينكم» ففعلنا، ثم قال: «افتحوها» ، ففتحناها، فإذا نحن بمدينة ما رأينا أكبر منها، الأسواق فيها قائمة، و فيها أناس ما رأينا أعظم من خلقهم، على طول النخل، قلنا:
يا أمير المؤمنين، من هؤلاء؟قال: «بقية قوم عاد، كفار لا يؤمنون بالله تعالى، أحببت أن أريكم إياهم، و هذه المدينة و أهلها أريد أن اهلكهم و هم لا يشعرون» ، قلنا: يا أمير المؤمنين، تهلكهم بغير حجة؟قال: «لا، بل بحجة عليهم» ، فدنا منهم، و تراءى لهم، فهموا أن يقتلوه، و نحن نراهم و هم يروننا، ثم تباعد عنهم، و دنا منا، ثم مسح بيده على صدورنا، و صعق فيهم صعقة، قال سلمان: لقد ظننا أن الأرض قد انقلبت، و السماء قد سقطت و أن الصواعق من فيه قد خرجت، فلم يبق منهم في تلك الساعة أحد، قلنا: يا أمير المؤمنين، ما صنع الله بهم؟قال: «هلكوا، و صاروا كلهم في النار» قلنا: هذا معجز ما رأينا و لا سمعنا بمثله.