هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 872 من 932
صفحة
[صفحة 872]
جبرئيل-و أومأ بيده إلى خلفه-يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، و لكني سقت الهدي، و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله» .
قال: «فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجا و رؤوسنا و شعورنا تقطر. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أما إنك لن تؤمن بهذا أبدا.
فقال: سراقة بن مالك بن جعشم الكناني (1) : يا رسول الله، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا، أم لما يستقبل؟فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : بل هو للأبد إلى يوم القيامة. ثم شبك أصابعه، و قال:
دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» .
قال: «و قدم علي (عليه السلام) من اليمن على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو بمكة، فدخل على فاطمة (عليها السلام) و قد أحلت، فوجد ريحا طيبا، و وجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا، يا فاطمة؟فقالت: أمرنا بهذا رسول الله (صلى الله عليه و آله) . فخرج علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) مستفتيا، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فاطمة قد أحلت، و عليها ثياب مصبوغة؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أنا أمرت الناس بذلك، فأنت-يا علي-بما أهللت؟قال: يا رسول الله، إهلالا كإهلال النبي (صلى الله عليه و آله) . فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : قر على إحرامك مثلي، و أنت شريكي في هديي» .
قال: «و نزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمكة بالبطحاء هو و أصحابه، و لم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا و يهلوا بالحج، و هو قول الله عز و جل الذي انزل على نبيه (صلى الله عليه و آله) :
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ أبيكم إِبْرََاهِيمَ (2) فخرج النبي (صلى الله عليه و آله) و أصحابه مهلين بالحج حتى أتى منى، فصلى الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر، ثم غدا و الناس معه، و كانت قريش تفيض من المزدلفة، و هي جمع، و يمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله عز و جل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ (3) يعني إبراهيم و إسماعيل و إسحاق (عليهم السلام) في إفاضتهم منها، و من كان بعدهم، فلما رأت قريش أن قبة رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة، و هي بطن عرفة (4) بحيال الأراك، فضربت قبته، و ضرب الناس أخبيتهم عندها.
فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و معه قريش، و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف
____________
(1) سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني: أبو سفيان، صحابي، له شعر، كان ينزل قديدا، و كان في الجاهلية قائفا-أي يقتصّ الأثر، و يصيب الفراسة، و قد اشتهر بهذا من العرب آل كنانة، و من كنانة آل مدلج-أخرجه أبو سفيان ليقتاف أثر رسول (صلى اللّه عليه و آله) حين خرج إلى الغار، و أسلم بعد غزوة الطاف سنة (8) هـ، و توفّي سنة (24) هـ، طبقات ابن سعد 1: 232، الإصابة 3: 19.