هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 129 / داخلي 116 من 850
»»
[صفحة 129]
و أنزل الله تبارك و تعالى اختصاصا لي، و إكراما (1) نحلنيه، و إعظاما و تفضيلا من رسول الله (صلى الله عليه و آله) منحنيه، و هو قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ أَلاََ لَهُ اَلْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ اَلْحََاسِبِينَ (2) .
و في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع، و طال لها الاستماع، و لئن تقمصها دوني الأشقيان، و نازعاني فيما ليس لهما بحق، و ركباها ضلالة، و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، و لبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما، و يتبرأ كل واحد منهما من صاحبه، يقول لقرينه إذا التقيا: يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ (3) ، فيجيبه الأشقى على رثوثته (4) : يََا وَيْلَتىََ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاََناً خَلِيلاً* `لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جََاءَنِي وَ كََانَ اَلشَّيْطََانُ لِلْإِنْسََانِ خَذُولاً ، فأنا الذكر الذي عنه ضل، و السبيل الذي عنه مال، و الإيمان الذي به كفر، و القرآن الذي إياه هجر، و الدين الذي به كذب، و الصراط الذي عنه نكب، و لئن رتعا في الحطام المنصرم، و الغرور المنقطع، و كانا منه على شفا حفرة من النار، لهما على شر ورود، في أخيب وفود، و ألعن مورود، يتصارخان باللعنة، و يتناعقان بالحسرة، ما لهما من راحة، و لا عن عذابهما من مندوحة (5) ، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام، و سدنة أوثان، يقيمون لها المناسك، و ينصبون لها العتائر (6) ، و يتخذون لها القربان، و يجعلون لها البحيرة، و السائبة، و الوصيلة، و الحام، و يستقسمون بالأزلام، عامهين (7) عن ذكر الله عز ذكره، جائرين (8) عن الرشاد، و مهطعين (9) إلى البعاد، قد استحوذ عليهم الشيطان، و غمرتهم سوداء الجاهلية، و رضعوها جهالة، و انفطموها (10) ضلالة، فأخرجنا الله إليهم رحمة، و أطلعنا عليهم رأفة، و أسفر بنا عن الحجب، نورا لمن اقتبسه، و فضلا لمن اتبعه، و تأييدا لمن صدقه، فتبوءوا العز بعد الذلة، و الكثرة بعد القلة، و هابتهم القلوب و الأبصار، و أذعنت لهم الجبابرة و طواغيتها (11) ، و صاروا أهل نعمة مذكورة، و كرامة ميسورة (12) ، و أمن بعد خوف، و جمع بعد كوف (13) ، و أضاءت بنا مفاخرة معد بن عدنان، و أولجناهم باب الهدى، و أدخلناهم دار السلام، و أشملناهم
____________
(1) في المصدر: و تكرّما.
(2) الأنعام 6: 62.
(3) -الزخرف 43: 38.
(4) الرّثوثة: البلى. «لسان العرب-رثث-2: 151» .
(5) المندوحة: المتّسع. «لسان العرب-ندح-2: 612» .
(6) العتائر: جمع عتيرة، الذّبيحة التي كانت تذبح للأصنام. «النهاية 3: 178» . و في «ط» نسخة بدل: القتائب.
(7) العمه: التّحيّر و التّردّد. «لسان العرب-عمه 13: 519» .
(8) في «ط» : جائزين، و في المصدر: حائرين.
(9) أهطع: أقبل على الشيء ببصره فلم يرفعه عنه، و لا يكون إلاّ مع خوف، و الإهطاع: الإسراع في العدو. «لسان العرب-هطع-8: 372» .
(10) في «ي، ط» : و انتظموها.
(11) في المصدر: و طوائفها.
(12) في «ج» : منشورة.
(13) أي تفرّق و تقطّع، و في نسخة من «ط» : بعد حوب، و الحوب: الوحشة و الحزن.