هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 436 / داخلي 401 من 850
»»
[صفحة 436]
على الخزرج في المواطن كلها، و قد وهبت لعبد الله بن أبي سبع مائة دارع، و سبع مائة (1) حاسر في صبيحة واحدة، و لسنا نحن بأقل من عبد الله بن أبي. فلما أكثروا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال لهم: «أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟» . فقالوا: بلى، فمن هو؟قال: «سعد بن معاذ» . قالوا: قد رضينا بحكمه، فأتوا به في محفة (2) ، و اجتمعت الأوس حوله يقولون له: يا أبا عمرو، اتق الله، و أحسن في حلفائك و مواليك، فقد نصرونا ببعاث، و الحدائق (3) ، و المواطن كلها. فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالت الأوس: وا قوماه، ذهبت و الله بنو قريظة آخر الدهر. و بكت النساء و الصبيان إلى سعد، فلما سكتوا، قال لهم سعد: يا معشر اليهود، أرضيتم بحكمي فيكم؟قالوا: بلى، قد رضينا بحكمك، و قد رجونا نصفك، و معروفك، و حسن نظرك. فأعاد عليهم القول، فقالوا: بلى، يا أبا عمرو. فالتفت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إجلالا له، فقال: ما ترى، بأبي أنت و امي، يا رسول الله؟قال: «احكم فيهم-يا سعد-فقد رضيت بحكمك فيهم» . فقال: قد حكمت-يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن تقتل رجالهم، و تسبى نساؤهم و ذراريهم، و تقسم غنائمهم بين المهاجرين و الأنصار. فقام رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: «قد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة» ثم انفجر جرح سعد بن معاذ، فما زال ينزف حتى قضى.
و ساقوا الأسارى إلى المدينة، و أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بأخدود، فحفرت بالبقيع، فلما أمسى، أمر بإخراج رجل رجل، فكان يضرب عنقه، فقال حيي بن أخطب لكعب بن أسد: ما ترى يصنع بهم؟فقال له: ما يسوؤك، أما ترى الداعي لا يقلع، و الذي يذهب لا يرجع؟فعليكم بالصبر، و الثبات على دينكم.
فاخرج كعب بن أسد، مجموعة يديه إلى عنقه، و كان جميلا و سيما، فلما نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال له: «يا كعب، أما نفعتك وصية ابن الحواس؟!الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام، فقال: تركت الخمر و الخنزير (4) ، و جئت إلى البؤس و التمور، لنبي يبعث، مخرجه بمكة، و مهاجرته في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسيرات و التميرات، و يركب الحمار العري، في عينيه حمرة، بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر» . فقال: قد كان ذلك يا محمد، و لولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك، و صدقتك، و لكني على دين اليهودية، عليه أحيا، و عليه أموت. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «قدموه فاضربوا عنقه» فضربت عنقه.
ثم قدم حيي بن أخطب، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا فاسق، كيف رأيت صنع الله بك؟» فقال: و الله -يا محمد-ما ألوم نفسي في عداوتك، و لقد قلقلت (5) كل مقلقل، و جهدت كل الجهد، و لكن من يخذل الله
____________
(1) في المصدر: ثلاث مائة.
(2) المحفّة: مركب من مراكب النساء كالهودج، إلاّ أنّها لا تقبّب. «الصحاح-حفف-4: 1345» .
(3) بعاث و الحدائق: موضعان عند المدينة، كانت فيهما وقعتان بين الأوس و الخزرج قبل الإسلام، أنظر «الكامل في التاريخ 1: 676 و 680» .