هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 54 من 907
»»
[صفحة 54]
«هل علمتم ما قذفت به مارية القبطية، و ما ادعي عليها في ولادتها إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ؟فقالوا: يا سيدنا، أنت أعلم، فخبرنا. فقال: «إن مارية أهداها المقوقس إلى جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فحظي بها من دون أصحابه، و كان معها خادم ممسوح، يقال له: جريح، و حسن إسلامهما و إيمانهما، ثم ملكت مارية قلب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فحسدها بعض أزواجه، فأقبلت عائشة و حفصة تشكيان إلى أبويهما ميل رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى مارية، و إيثاره إياها عليهما، حتى سولت لهما و لأبويهما أنفسهما بأن يقذفوا مارية بأنها حملت بإبراهيم من جريح، و هم لا يظنون أن جريحا خادم، فأقبل أبواهما إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو جالس في مسجده، فجلسا بين يديه، ثم قالا: يا رسول الله، ما يحل لنا، و لا يسعنا أن نكتم عليك ما يظهر من خيانة واقعة بك. قال: ماذا تقولان؟!قالا: يا رسول الله، إن جريحا يأتي من مارية بالفاحشة العظمى، و إن حملها من جريح، و ليس هو منك. فاربد (1) وجه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و تلون، و عرضت له سهوة (2) لعظم ما تلقياه به، ثم قال:
ويحكما، ما تقولان؟قالا: يا رسول الله، إنا خلفنا جريحا و مارية في مشربتها-يعنيان حجرتها-و هو يفاكهها، و يلاعبها، و يروم منها ما يروم الرجال من النساء، فابعث إلى جريح، فإنك تجده على هذه الحال، فأنفذ فيه حكم الله. فانثنى النبي إلى علي (عليهما السلام) ، ثم قال: يا أبا الحسن، قم-يا أخي-و معك ذو الفقار، حتى تمضي إلى مشربة مارية، فإن صادفتها و جريحا كما يصفان، فأخمدهما بسيفك ضربا.
فقام علي (عليه السلام) ، و اتشح بسيفه (3) و أخذه تحت ثيابه، فلما ولى من بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، انثنى إليه، فقال: يا رسول الله، أكون في ما أمرتني كالسكة المحمية في العهن (4) ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) : فديتك يا علي، بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فأقبل علي (عليه السلام) ، و سيفه في يده، حتى تسور من فوق مشربة مارية، و هي في جوف المشربة جالسة، و جريح معها يؤدبها بآداب الملوك، و يقول لها: عظمي رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و لبيه، و كرميه، و نحو هذا الكلام، حتى التفت جريح إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، و سيفه مشهور في يده، ففزع جريح إلى نخلة في المشربة، فصعد إلى رأسها، فنزل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المشربة، و كشفت الريح عن أثواب جريح، فإذا هو خادم ممسوح، فقال له: أنزل يا جريح.
فقال: يا أمير المؤمنين، آمنا على نفسي؟فقال: آمنا على نفسك.
فنزل جريح، و أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيده، و جاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأوقفه بين يديه، فقال له: يا رسول الله، إن جريحا خادم ممسوح. فولى رسول الله (صلى الله عليه و آله) [وجهه إلى الجدار]، فقال: حل لهما نفسك-لعنهما الله-يا جريح، حتى يتبين كذبهما، و خزيهما، و جرأتهما على الله، و على رسوله. فكشف عن أثوابه، فإذا هو خادم ممسوح، فأسقطا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قالا: يا رسول الله، التوبة، استغفر لنا. فقال رسول
____________
(1) أي احمر حمرة فيها سواد عند الغضب. «المعجم الوسيط-زبد-1: 322» .