البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 613 / داخلي 572 من 850

[صفحة 613]

إبراهيم (عليه السلام) أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، و قضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم (عليه السلام) جميع ما ذهب من عمره في بلادهم. فأخبر بذلك نمرود، فأمرهم أن يخلوا سبيله، و سبيل ماشيته و ماله، و أن يخرجوه، و قال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم، و أضر بآلهتكم.


فأخرجوا إبراهيم و لوط معه (صلوات الله عليهما) من بلادهم إلى الشام فخرج و معه لوط لا يفارقه، و سارة، و قال لهم: إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي سَيَهْدِينِ يعني بيت المقدس، فتحمل إبراهيم (عليه السلام) بماشيته و ماله، و عمل تابوتا، و جعل فيه سارة، و شد عليها الأغلاق غيرة منه عليها، و مضى حتى خرج من سلطان نمرود، و صار إلى سلطان رجل من القبط، يقال له عرارة، فمر بعاشر (1) له، فاعترضه العاشر ليعشر ما معه، فلما انتهى إلى العاشر و معه التابوت، قال العاشر لإبراهيم (عليه السلام) : افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه. فقال له إبراهيم (عليه السلام) : قل ما شئت فيه من ذهب و فضة حتى نعطي عشره، و لا نفتحه. قال: فأبى العاشر إلا فتحه. قال: و غضب إبراهيم (عليه السلام) :


على فتحه، فلما بدت له سارة-و كانت موصوفة بالحسن و الجمال-قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟قال إبراهيم (عليه السلام) : هي حرمتي و ابنة خالتي، فقال له العاشر: فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟فقال إبراهيم (عليه السلام) : الغيرة عليها أن يراها أحد. فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتى اعلم الملك حالها و حالك.


قال: فبعث إلى الملك رسولا، فأعلمه، فبعث الملك رسلا من قبله ليأتوه بالتابوت، فأتوا ليذهبوا به، فقال لهم إبراهيم (عليه السلام) : إني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي. فأخبروا الملك بذلك، فأرسل الملك أن احملوه و التابوت معه، فحملوا إبراهيم (عليه السلام) و التابوت، و جميع ما كان معه، حتى ادخل على الملك، فقال له الملك: افتح التابوت. فقال له إبراهيم (عليه السلام) : أيها الملك، إن فيه حرمتي و ابنة خالتي، و أنا مفتد فتحه بجميع ما معي. قال: فغصب الملك إبراهيم (عليه السلام) على فتحه، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها، فأعرض إبراهيم (عليه السلام) بوجهه عنها و عنه غيره منه، و قال: اللهم احبس يده عن حرمتي و ابنة خالتي. فلم تصل يده إليها، و لم ترجع إليه. فقال له الملك: إن إلهك هو الذي فعل بي هذا؟فقال: نعم، إن إلهي غيور يكره الحرام، و هو الذي حال بينك و بين ما أردت من الحرام. فقال له الملك: فادع إلهك يرد علي يدي، فإن أجابك لم أعرض لها. فقال إبراهيم (عليه السلام) : إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي.


قال: فرد الله عز و جل عليه يده، فأقبل الملك نحوها ببصره، ثم عاد بيده نحوها، فأعرض إبراهيم (عليه السلام) عنه بوجهه غيره منه، و قال: اللهم احبس يده عنها. قال: فيبست يده، و لم تصل إليها. فقال الملك لإبراهيم (عليه السلام) : إن إلهك لغيور، و إنك لغيور، فادع إلهك يرد علي يدي، فإنه إن فعل لم أعد. فقال له إبراهيم (عليه السلام) : أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله. فقال له الملك: نعم. فقال إبراهيم (عليه السلام) :


اللهم، إن كان صادقا فرد عليه يده. فرجعت إليه يده.


فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى، و رأى الآية في يده عظم إبراهيم (عليه السلام) ، و هابه، و أكرمه و اتقاه،


____________

(1) العاشر و العشّار: قابض العشر. «لسان العرب-عشر-4: 570» .

التالي الأصلية 613داخلي 572/850 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...