البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 617 / داخلي 576 من 850

[صفحة 617]

ثم مضى به إلى الموقف، فقال: يا إبراهيم، اعترف بذنبك، و اعرف مناسكك. فلذلك سميت عرفة و أقام به حتى غربت الشمس ثم أفاض به، فقال: يا إبراهيم، ازدلف إلى المشعر الحرام، فسميت المزدلفة، و أتى به المشعر الحرام، فصلى به المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين، ثم بات بها، حتى إذا صلى بها صلاة الصبح أراه الموقف، ثم أفاض إلى منى، فأمره، فرمى جمرة العقبة، و عندها ظهر له إبليس (لعنه الله) ، ثم أمره الله بالذبح.


و إن إبراهيم (عليه السلام) حين أفاض من عرفات بات على المشعر الحرام، و هو فزع، فرأى في النوم أنه يذبح ابنه إسحاق، و قد كان إسحاق حج بوالدته سارة، فلما انتهى إلى منى رمى جمرة العقبة هو و أهله، و أمر أهله فسارت إلى البيت، و احتبس الغلام فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى، فاستشار ابنه كما حكى الله يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ ؟فقال الغلام كما ذكر الله عنه: يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ ، و سلما لأمر الله.


و أقبل شيخ، فقال: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟قال: أريد أن أذبحه. فقال: سبحان الله، تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين!فقال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك. فقال: ربك ينهاك عن ذلك، و إنما أمرك بذلك الشيطان.


فقال له إبراهيم: ويلك، إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به، و الكلام الذي وقع في أذني. فقال: لا و الله ما أمرك بهذا إلا الشيطان. فقال إبراهيم: و الله لا أكلمك. ثم عزم إبراهيم (عليه السلام) على الذبح. فقال: يا إبراهيم، إنك إمام يقتدى بك، و إنك إن ذبحت ولدك، ذبح الناس أولادهم. فلم يكلمه.


و أقبل على الغلام و استشاره في الذبح، فلما أسلما جميعا لأمر الله قال الغلام: يا أبتاه، خمر وجهي، و شد وثاقي. فقال إبراهيم: يا بني، الوثاق مع الذبح؟لا و الله لا أجمعهما عليك اليوم. فرمى بقرطان الحمار، ثم أضجعه عليه، فأخذ المدية فوضعها على حلقه، و رفع رأسه إلى السماء، ثم انتحى‏ (1) عليه المدية، فقلب جبرئيل المدية على قفاها، و اجتر الكبش من قبل ثبير، و أثار الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام، و نودي من ميسرة مسجد الخيف: أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ* `قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ* `إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ .


قال: و لحق إبليس بأم الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي، بحذاء البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته؟قالت: إن ذلك بعلي. قال: فوصيف رأيته معه؟قالت: ذلك ابني. فقال: لقد رأيته أضجعه، و أخذ المدية ليذبحه، فقالت: كذبت، إن إبراهيم أرحم الناس، كيف يذبح ابنه؟قال: فورب السماء و الأرض، و رب هذا البيت لقد رأيته أضجعه و أخذ المدية ليذبحه. فقالت: و لم؟قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فحق له أن يطيع ربه. فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر، فلما قضت مناسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى، و هي واضعة يدها على رأسها، تقول: يا رب، لا تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل» .


قلت: فأين أراد أن يذبحه؟قال: «عند الجمرة الوسطى» . قال: «و نزل الكبش على الجبل الذي عن يمين مسجد منى، نزل من السماء، و كان يأكل في سواد، و يمشي في سواد، أقرن» .


____________

(1) في «ط» نسخة بدل: اجتّر.

التالي الأصلية 617داخلي 576/850 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...