البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 666 / داخلي 621 من 850

[صفحة 666]

وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً (1) .


فصعد إبليس اللعين في زمان أيوب (عليه السلام) إلى ما دون العرش كما كان يصعد، و وقف في الموضع الذي كان يقف فيه، و في قلبه من النبي أيوب ما فيه، و الله مطلع على السر و العلانية، فنودي: يا ملعون، من أين أقبلت؟ فقال: إلهي، طفت الأرض لأفتن من أطاعني، ففتنتهم إلا عبادك منهم المخلصين. فنودي: يا لعين، ما في قلبك من نعمة أيوب؟فقال إبليس: يا رب، إنك ذكرته فصلت عليه ملائكتك. فنودي: يا لعين، هل نلت منه شيئا مع طول عبادته، فهل تستطيع أن تغويه عن عبادتي؟فقال: إلهي و مولاي، إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة، و نظرت في أمره و إذا هو عبد عافيته فقبل عافيتك، و رزقته فشكرك، و لم تجربه في البلاء و المصائب، فلو ابتليته لوجدته بخلاف ما هو عليه، و لو سلطنتي-يا رب-على ماله لرأيته كيف ينساك. فنودي: يا ملعون، قد سلطتك على ماله لتعلم أنك كاذب فيما تعتقده فيه» .


قال: «فانقض من السماوات حتى وقف على الصخرة التي رضخ عليها قابيل رأس أخيه هابيل (عليه السلام) ، و هي صخرة سوداء ينبع منها صديد اللعنة، فوقف إبليس عليها، و رن رنة حتى اجتمع عليه العفاريت المتمردون من المشرق و المغرب، فقالوا: يا أبانا، و ما وراءك، و ما دهاك؟فقال: إني مكنت من فرصة ما تمكنت من مثلها منذ أخرجت آدم من الجنة، و ذلك أني سلطت على مال أيوب لافقره، و اعطب ماله. فقال بعضهم: سلطني على أشجاره، فإني أتحول نارا، و لا أمر على شي‏ء إلا أحرقته، و صيرته رمادا. فقال إبليس: أنت لذلك. و قال آخر:


سلطني على مواشيه حتى أصيح صيحة تخرج أرواحها. فقال أنت لذلك. فأقبل الأول، و تحول نارا، حتى أحرق تلك الأشجار و الآجام. و أقبل الآخر على المواشي، فصاح بها صيحة خرجت كلها ميتة مع رعاتها.


فرأى أهل القرية دخانا عظيما، و صيحة عظيمة، ففزعوا فزعا شديدا، فأقبل اللعين إلى أيوب و هو في صلاته، و خيل إلى أيوب أنه أصابه وهج ذلك الحريق، و قد اسود وجهه، و تمعط (2) شعره، و هو لعنه الله ينادي: يا أيوب، أدركني، فأنا الناجي من دون غيري، فما رأيت نارا أقبلت من السماء فيها دخان فأحرقت ما لك-يا أيوب- و أصابتني نفحة من نفحاتها، و سمعت مناديا من السماء يقول: هذا جزاء من كان مرائيا في عبادته، يريد بها الناس دون الله تعالى. و قال إبليس: و سمعت النار تقول: أنا نار الغضب، أنا نار السخط.


قال: فلما سمع أيوب ذلك أقبل على صلاته، و لم يلتفت إليه حتى فرغ من صلاته تامة كاملة، فقال: يا هذا، ليست هي أموالي، و إنما هي أموال الله تعالى يفعل بها ما شاء. فقال إبليس لعنه الله: صدقت. و ماج الناس، فقال بعضهم: هذا ما قبضه قبض العجب. و قال آخرون: ما كان أيوب صادقا في توبته، فلهذا جازاه بهذا الجزاء. فشق ذلك على أيوب من قولهم، و لم يجبهم، غير أنه قال: الحمد لله على قضائه و قدره.


فأقبل النبي أيوب على اللعين إبليس، و قال له: من أنت أيها العبد؟كأنك ممن أخرجه الله من رحمته،


____________

(1) الجن 72: 8 و 9.

(2) تمعّط شعره: أي تساقط. «الصحاح-معط-3: 1161» .

التالي الأصلية 666داخلي 621/850 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...