هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 212 من 924
صفحة
[صفحة 206]
بأضعف خلقه، و هو النمل، لو رامته البخاتي من الإبل ما قدرت عليه» .
}فلما انتهى سليمان إلى وادي النمل، قالت نملة: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ* `فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا وَ قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ إلى قوله تعالى: فِي عِبََادِكَ اَلصََّالِحِينَ .
و كان سليمان إذا قعد على كرسيه، جاءت جميع الطير التي سخرها الله لسليمان، فتظل الكرسي و البساط- بجميع من عليه-من الشمس، فغاب عنه الهدهد من بين الطير، فوقعت الشمس من موضعه في حجر سليمان (عليه السلام) ، فرفع رأسه، }}}}و قال، كما حكى الله: مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ إلى قوله تعالى: بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ أي بحجة قوية، فلم يمكث إلا قليلا، إذ جاء الهدهد، فقال له سليمان: «أين كنت؟» قال: أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ، أي بخبر صحيح إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، و هذا مما لفظه عام، و معناه خاص، لأنها لم تؤت أشياء كثيرة، منها: الذكر، و اللحية.
ثم قال: وَجَدْتُهََا وَ قَوْمَهََا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إلى قوله تعالى: فَهُمْ لاََ يَهْتَدُونَ ، }}}}ثم قال الهدهد: أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ أي المطر، و في اَلْأَرْضِ النبات.
ثم قال سليمان: سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ إلى قوله تعالى: مََا ذََا يَرْجِعُونَ . فقال الهدهد:
إنها في حصن منيع، في سبأ وَ لَهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ أي سرير.
قال سليمان: «الق الكتاب على قبتها» فجاء الهدهد، فألقى الكتاب في حجرها، فارتاعت من ذلك، و جمعت جنودها، و قالت لهم، كما حكى الله: يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ أي مختوم، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* `أَلاََّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ أي لا تتكبروا علي.
ثم قالت: يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مََا كُنْتُ قََاطِعَةً أَمْراً حَتََّى تَشْهَدُونِ ، فقالوا لها، كما حكى الله:
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ اَلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مََا ذََا تَأْمُرِينَ فقالت لهم: إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذََا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهََا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهََا أَذِلَّةً . فقال الله عز و جل: وَ كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ (1) .
ثم قالت: إن كان هذا نبيا من عند الله-كما يدعي-فلا طاقة لنا به، فإن الله لا يغلب، و لكن سأبعث إليه بهدية، فإن كان ملكا يميل إلى الدنيا قبلها، و علمت أنه لا يقدر علينا. فبعثت إليه حقه (2) فيها جوهرة عظيمة، و قالت للرسول: قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد، و لا نار. فأتاه الرسول بذلك، فأمر سليمان بعض جنوده من الديدان، فأخذ خيطا في فيه، ثم ثقبها، و أخرج الخيط من الجانب الآخر، و قال سليمان لرسولها: فَمََا آتََانِيَ اَللََّهُ خَيْرٌ مِمََّا آتََاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* `اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاََ قِبَلَ لَهُمْ بِهََا أي لا طاقة لهم بها، وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهََا أَذِلَّةً وَ هُمْ صََاغِرُونَ (3) .
____________
(1) النمل 27: 18-34.
(2) الحقّة: وعاء من خشب، و قد تسوّى من العاج. «أقرب الموارد-حقق-1: 215» .