هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 257 من 919
صفحة
[صفحة 259]
فقال له موسى: ذََلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ (1) أي لا سبيل علي إن عملت عشر سنين، أو ثمان سنين. فقال موسى وَ اَللََّهُ عَلىََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ
____________
1 «2»
» .
قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : أي الأجلين قضى؟قال: «أتمها عشر سنين» .
قلت له: فدخل بها قبل أن يقضي الأجل، أو بعده؟قال: «قبل» .
قلت: فالرجل يتزوج المرأة، و يشترط لأبيها إجارة شهرين مثلا، أ يجوز ذلك؟قال: «إن موسى علم أنه يتم له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي» .
قلت له: جعلت فداك، أيهما زوجه شعيب من بناته؟قال: «التي ذهبت إليه فدعته، و قالت لأبيها: يََا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ (3) » .
«فلما قضى موسى الأجل، قال لشعيب: لا بد لي أن أرجع إلى وطني، و أمي، و أهل بيتي، فما لي عندك؟ فقال شعيب: ما وضعت أغنامي في هذه السنة من غنم بلق (4) فهو لك؟فعمد موسى عند ما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصا، فشق (5) منها بعضا، و ترك بعضا، و غرزها في وسط مربض الغنم، و ألقى عليها كساء أبلق، ثم أرسل الفحل على الغنم، فلم تضع الغنم في تلك السنة إلا بلقا.
فلما حال عليه الحول، حمل موسى امرأته، و زوده شعيب من عنده، و ساق غنمه، فلما أراد الخروج، قال لشعيب: أبغي عصا تكون معي، و كانت عصي الأنبياء عنده، قد ورثها مجموعة في بيت، فقال له شعيب: ادخل هذا البيت، و خذ عصا من بين العصي. فدخل، فوثبت إليه عصا نوح و إبراهيم (عليهما السلام) ، و صارت في كفه، فأخرجها، و نظر إليها شعيب، فقال: ردها، و خذ غيرها. فردها ليأخذ غيرها، فوثبت إليه تلك بعينها، فردها، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما رأى شعيب ذلك، قال له: اذهب، فقد خصك الله بها.
فساق غنمه، فخرج يريد مصر، فلما صار في مفازة و معه أهله، أصابهم برد شديد و ريح و ظلمة، و جنهم الليل، فنظر موسى إلى نار قد ظهرت، كما قال الله: فَلَمََّا قَضىََ مُوسَى اَلْأَجَلَ وَ سََارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جََانِبِ اَلطُّورِ نََاراً قََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (6) ، فأقبل نحو النار يقتبس، فإذا شجرة و نار تلتهب عليها، فلما ذهب نحو النار يقتبس منها أهوت إليه، ففزع منها و عدا، و رجعت النار إلى الشجرة، فالتفت إليها و قد رجعت إلى مكانها، فرجع الثانية ليقتبس، فأهوت إليه، فعدا و تركها، ثم التفت إليها و قد رجعت إلى الشجرة، فرجع إليها ثالثة، فأهوت إليه، فعدا و لم يعقب، أي لم يرجع، فناداه الله:
____________
(1) (1، 2) القصص 28: 28.
(3) القصص 28: 26.
(4) البلق: سواد و بياض، و بلق الدابة: ارتفاع التحجيل إلى الفخذين. «لسان العرب-بلق-10: 25» .