هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 416 من 919
صفحة
[صفحة 422]
إلا آثار أصابعهم، ثم قال: «يا جابر علي بالذراع» فأتيته، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع؟قال: «ذراعان» .
فقلت: و الذي بعثك بالحق نبيا، لقد أتيتك بثلاثة. فقال: «أما لو سكت-يا جابر-لأكل الناس كلهم من الذراع» . قال:
«يا جابر، أدخل عشرة» . فأقبلت ادخل عشرة عشرة، فيأكلون، حتى أكلوا كلهم، و بقي لنا-و الله-من ذلك الطعام ما عشنا به أياما.
قال: و حفر رسول الله (صلى الله عليه و آله) الخندق، و جعل له ثمانية أبواب، و جعل على كل باب رجلا من المهاجرين، و رجلا من الأنصار، مع جماعة يحفظونه، و قدمت قريش، و كنانة، و سليم، و هلال، فنزلوا الزغابة (1) ، ففرغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام.
و أقبلت قريش، و معهم حيي بن أخطب، فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل، و كانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فدق باب الحصن، فسمع كعب بن أسد قرع الباب، فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه، و جاء الآن يشأمنا، و يهلكنا، و يأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمد، و قد وفى لنا محمد، و أحسن جوارنا. فنزل إليه من غرفته، فقال له: من أنت؟قال: حيي بن أخطب، قد جئتك بعز الدهر. قال: كعب: بل جئتني بذل الدهر. فقال: يا كعب، هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلت بالعقيق، مع حلفائهم من كنانة، و هذه فزارة، مع قادتها و سادتها قد نزلت الزغابة، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، و لا يفلت محمد و أصحابه من هذا الجمع أبدا، فافتح الباب، و انقض العهد الذي بينك و بين محمد. فقال كعب: لست بفاتح لك الباب، ارجع من حيث جئت. فقال حيي: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك (2) التي في التنور، تخاف أن أشركك فيها، فافتح فإنك آمن من ذلك. فقال له كعب: لعنك الله، لقد دخلت علي من باب دقيق. ثم قال: افتحوا له الباب. ففتحوا له، فقال: ويلك-يا كعب-انقض العهد الذي بينك و بين محمد، و لا ترد رأيي، فإن محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبدا.
قال: فاجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول، و ياسر بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الزبير بن باطا، فقال لهم كعب: ما ترون؟قالوا: أنت سيدنا، و المطاع فينا، و صاحب عهدنا و عقدنا، فإن نقضت نقضنا، و إن أقمت أقمنا معك، و إن خرجت خرجنا معك. فقال الزبير بن باطا-و كان شيخا كبيرا مجربا، قد ذهب بصره-: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه يبعث نبي في آخر الزمان، يكون مخرجه بمكة، و مهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة (3) يركب الحمار العري (4) ، و يلبس الشملة (5) ، و يجتزئ بالكسيرات
____________
(1) زغابة: موضع قرب المدينة. «معجم البلدان 3: 141» .
(2) الجشيش: السويق، الواحدة جشيشة. و حنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر، و يجعل فيها لحم أو تمر، فيطبخ. «أقرب الموارد-جشّ- 1: 124» .
(3) البحرة: البلدة، و البحيرة: مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ، و هو تصغير البحرة. «النهاية 1: 100» .
(4) أي الخالي من السرج.
(5) الشملة كساء يشتمل به الرجل. «مجمع البحرين-شمل-5: 404» .