هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 675 / داخلي 630 من 850
صفحة
[صفحة 675]
أربعة آلاف وكيل، و اجرة كل واحد منهم في كل شهر مائة مثقال من الذهب، و بين يديه اثنا عشر من البنين، و اثنا عشر من البنات، فلما رأت رحمة جميع ذلك سجدت لله تعالى شكرا، و ملكه جميع الشام و أولاده، و أعطاه مثل عمره الماضي.
و ذكر مكالمة رحمة لإبليس زمان بلائه، و ذكر نذره، فاغتم أيوب من ذلك، فأوحى الله إليه: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي شمراخا مشتملا عدده على مائة فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك رحمة وَ لاََ تَحْنَثْ في النذر، فأخذ شمراخا، فضربها ضربة واحدة عن يمينه، و روي أن ضربه لها بالشماريخ لما رأى ذؤابتها مقطوعة غضب، و حلف عليها أن يضربها مائة جلدة، فأخبرته أنه كان سبب قطعها كذا و كذا، فاغتم أيوب (عليه السلام) من ذلك، فأمره الله بالضغث حذرا من الحنث، و روي أن الله تعالى رد على رحمة ذؤابتيها كما كانتا.
و سئل أيوب بعد ما عافاه الله: أي شيء كان أشد عليك مما مر عليك من البلاء؟قال: شماتة الأعداء.
ثم إنه عمر عمرا طويلا، فلما أدركته الوفاة أحضر أولاده، و أوصاهم أن يصنعوا في ماله كما كان يصنع للفقراء و المساكين، ثم مات (عليه السلام) ، و توفيت امرأته قبله، أو بعده بقليل، و دفن إلى جانب العين التي أذهب الله بلاءه بها، و سار أولاده سيرة أبيهم أيوب (عليه السلام) حتى ظهر عليهم ملك يقال له لام بن عاد، فتغلب على بلاد الشام، و على أولاد أيوب، و جعل يؤذي أولاد أيوب، و بعث إلى حزقل (1) بن أيوب-و كان أكبرهم-و قال: إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام بكثرة مواشيكم، فأريد أن تعطوني نصف أموالكم، مع العقار و العبيد و الإماء، و إلا ما تركتكم على ما أنتم عليه، و أن تزوجوني باختكم التي يقال لها نقية، و قيل: اسمها مؤمنة، و قيل: صالحة، و كانت امرأة حسناء ذات حسن و جمال، إذا مشت كأنها تنحدر من جبل في حذاء مسيل، كأن غرتها البدر المشرق، و جبهة واسعة، و عينان كالنيل، و حاجبان كالقسي المنحنية، و خداها كاللؤلؤ الأحمر يكاد ان يدميهما الهواء، و جيد كأنه جيد ريم، و روي أنه كان في بيتهم غلام صغير، و كان إذا نامت على جنب فيقعد الصبي و معه اترنجة، فيدحرجها فتعبر من بين خصرها و الأرض، و كانت ذات منطق، أديبة، لبيبة، عجيبة، رحيمة للفقراء و المساكين، فجعل يبعث إليهم بذلك، فيقول: اختاروا أحدها، و إلا جئتكم بخيلي و رجلي، و جعلت أولادكم غنيمة لي.
فأجابه حزقل بن أيوب (عليه السلام) ، و أرسل إليه رسولا: أما الأموال التي في أيدينا، فليس لأحد فيها حق إلا الفقراء و المساكين و الأيتام و الضعفاء و أبناء السبيل، و لست منهم، و إنما ورثتها من أبينا أيوب، و أما أختنا فلست على ديننا حتى نزوجكها، و أما تخويفك لنا بخيلك و رجلك فإنا نتوكل على الله، فهو حسبنا و نعم الوكيل.
قال: فلما سمع هذه الرسالة جمع جنوده لحربهم، فعلم بذلك حزقل بن أيوب، فاستشار إخوته بحربه، فقال أخوه بشير: لا أشور عليك بالحرب، فإني أخاف أن يظفر بنا لأنه قوي، فيأسرنا، و لكن الرأي أن تبعثوا له من المال ما طلبه، و أما خطبته أختنا فإنك تداريه بالمواعيد الحسنة و الهدايا لعله يقنع بها. فأبى حزقل، و أحب المحاربة، فجمع جيشه، و مضى حتى التقى الجيشان، فاقتتلا قتالا شديدا، فوقعت الهزيمة على حزقل بن أيوب،