البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 650 من 919

صفحة
[صفحة 647]

و كان التابوت في بني إسرائيل، كما قال الله عز و جل: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمََّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ََ وَ آلُ هََارُونَ تَحْمِلُهُ اَلْمَلاََئِكَةُ (1) ، و قد كان رفع بعد موسى (عليه السلام) إلى السماء لما عملت بنو إسرائيل المعاصي، فلما غلبهم جالوت، و سألوا النبي أن يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل الله بعث إليهم طالوت، و أنزل عليهم التابوت، و كان التابوت إذا وضع بين بني إسرائيل و بين أعدائهم و رجع عن التابوت إنسان كفر و قتل، و لا يرجع أحد عنه إلا و يقتل.


فكتب داود إلى صاحبه الذي بعثه: أن ضع التابوت بينك و بين عدوك، و قدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت. فقدمه، فقتل أوريا، فلما قتل أوريا دخل عليه الملكان، و لم يكن تزوج امرأة أوريا، و كانت في عدتها، و داود في محرابه يوم عبادته، فدخل عليه الملكان من سقف البيت، و قعدا بين يديه، ففزع داود منهما، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط، و اهدنا إلى سواء الصراط، و لداود حينئذ تسع و تسعون امرأة ما بين مهيرة (2) إلى جارية، فقال أحدهما لداود: إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة، و لي نعجة واحدة، فقال: أكفلنيها؛ و عزني في الخطاب. أي ظلمني و قهرني، فقال داود كما حكى الله عز و جل: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ إلى قوله: وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ ، قال: فضحك المستعدى عليه من الملائكة و قال:


قد حكم الرجل على نفسه. فقال داود: أ تضحك و قد عصيت!لقد هممت أن أهشم فاك. قال: فعرجا، و قال الملك المستعدى عليه: لو علم داود لكان أحق بهشم فيه مني. ففهم داود الأمر، و ذكر الخطيئة، فبقي أربعين يوما ساجدا يبكي، ليله، و نهاره، و لا يقوم إلا وقت الصلاة، حتى انخرق جبينه، و سال الدم من عينيه.


فلما كان بعد أربعين يوما، نودي: يا داود، مالك، أ جائع أنت فنشبعك، أو ظمآن فنسقيك، أو عريان فنكسوك، أم خائف فنؤمنك؟فقال: أي رب، و كيف لا أخاف و قد عملت ما عملت، و أنت الحكم العدل الذي لا يجوزك ظلم ظالم؟فأوحى الله إليه: تب، يا داود. فقال: أي رب، و أني لي بالتوبة؟قال: صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك، و اسأله أن يغفر لك، فإن غفر لك غفرت لك. قال: يا رب، فإن لم يفعل؟قال: أستوهبك منه.


قال: فخرج داود (عليه السلام) يمشي على قدميه و يقرأ الزبور، و كان إذا قرأ الزبور لا يبقي حجر، و لا شجر، و لا جبل، و لا طائر، و لا سبع إلا يجاوبه، حتى انتهى إلى جبل، فإذا عليه نبي عابد، يقال له حزقيل، فلما سمع دوي الجبال، و أصوات السباع علم أنه داود (عليه السلام) ، فقال: هذا النبي الخاطئ. فقال له داود: يا حزقيل، أ تأذن لي أن أصعد إليك؟قال: لا، فإنك مذنب. فبكى داود (عليه السلام) ، فأوحى الله عز و جل إلى حزقيل: يا حزقيل، لا تعير داود بخطيئته، و سلني العافية. فنزل حزقيل، و أخذ بيد داود فأصعده إليه، فقال له داود: يا حزقيل، هل هممت بخطيئة قط؟قال: لا. قال: فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله عز و جل؟قال: لا. قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهواتها و لذاتها؟قال: بلى، ربما عرض ذلك بقلبي. قال: فما تصنع؟قال: أدخل هذا

التالي ص 650/919 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...