البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 684 من 924

صفحة
[صفحة 671]

فأطعمته ذلك، لأن أسنانه قد تساقطت، ثم قطعت أعوادا و ظللت بها على رأس أيوب مثل العريش، ثم دخلت القرية، فقربوها، و أكرموها، فعملت ذلك في خمسة بيوت، و اتخذت عشرة أقراص. فلما رجعت أخبرت أيوب بذلك، و قالت: أصبت اليوم طعاما كثيرا، من رزق ربي، فأقعد عندك، فإني لا أفارقك حتى يفرغ هذا الطعام: فقال لها أيوب: جزاك الله خيرا-يا رحمة-فأنت من بنات النبيين، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، و لا يخيب عبدا شكره، و لا يضيع‏ (1) من توكل عليه، له الحكم، و إليه يرجع الأمر كله و هو على كل شي‏ء قدير.


فأقبل نساء أهل القرية، فقعدن ذات يوم بقرب عريش أيوب، -فشممن رائحته، فانصرفن مسرعات إلى بيوتهن، و أغلقن الأبواب عن رحمة، و قلن لرحمة: لا تدخلي بيوتنا، و لكن نواسيك في طعامنا. فرضيت رحمة بذلك.


فبينما رحمة ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب، و إذا هي بإبليس اللعين قد عرض لها في صورة طبيب، و معه آلة الطب، و قال لرحمة: إني أقبلت من فلسطين حين سمعت بخبر زوجك أيوب، جئت لاداويه، و أنا سائر إليه غدا، فأخبريه بقصتي، و قولي له يأخذ عصفورا فيذبحه، و لا يذكر اسم الله عليه، و يأكله، و يشرب عليه قدحا من خمر، و يطلي نفسه بالدم، فإن فرجه من ذلك. قال: فجاءت رحمة إلى أيوب فرحانة، فأعلمته بذلك، فبان الغضب في وجهه، فقال لها: متى رأيت أني‏[أشرب الخمر و]آكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، و أطلي نفسي بشي‏ء من الدم. يا رحمة، بالأمس كنت رسولة من جبرئيل و ميكائيل، و أنت اليوم رسولة من إبليس اللعين؟! فعلمت أنها أخطأت، فأعتذرت إليه و لم تزل تتلطف به حتى رضي عنها، و حذرها أن لا تعود إلى مثلها» .


قال: «فبينما هي ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب، و معها شي‏ء من الطعام، فاعترض لها إبليس اللعين في صورة رجل بهي الصورة، حسن الوجه، على حمار أحمر، فقال اللعين لها: كأني أعرفك، أ لست رحمة بنت أفرائيم نبي الله، و زوجة المبتلى أيوب نبي الله؟قالت: بلى. قال اللعين لها: إني أعرفكم و أنتم أهل غناء و ثروة، فما الذي غير حالكم؟فقالت له: إنا بلينا بذهاب المال جميعه، و الولد، ثم البلاء الأعظم ما نزل بصاحبي أيوب، فقال لها الملعون: لأي شي‏ء أصابتكم هذه المصائب؟قالت: لأن الله تعالى أراد أن يجرب صبرنا على بلائه. قال اللعين:


بئسما قلت، و لكن إله السماء هو الله، و إله الأرض أنا، فأردتكم لنفسي، فعبدتم إليه السماء و لم تعبدوني، ففعلت بكم ما فعلت، و سلبتكم أموالكم، و أمت أولادكم و عبيدكم و مواشيكم، فها هي كلها عندي. فإن أردت ذلك فاتبعيني حتى أريك أولادك، و عبيدك، و مواشيك، فإنهم عندي في وادي كذا و كذا.


قال: فلما سمعت بذلك بقيت متعجبة و هي متحيرة، و اتبعته غير بعيد حتى أوقفها على ذلك الوادي، و سحر عينيها حتى رأت جميع ما فقدته هناك. فقال لها: أنا صادق عندك الآن، أم كاذب؟فقالت رحمة: لا أدري ما أقول لك حتى أرجع إلى أيوب» .


قال: «فرجعت إلى أيوب، فأخبرته بما رأته جميعه. فقال أيوب: إنا لله و إنا إليه راجعون، ويحك-يا رحمة-


____________


(1) في المصدر: يضع.

التالي ص 684/924 — الأصلية 671 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...