البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · الصفحة الأصلية 254 / داخلي 243 من 879

[صفحة 254]

يشركوا به شيئا، و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم، و بروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام و نكحوا الحلال من شباب النساء، و بروح البدن دبوا و درجوا، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم، ثم قال: [قال‏] الله عز و جل: تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنََا بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اَللََّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجََاتٍ وَ آتَيْنََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ (1) ، ثم قال في جماعتهم: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (2) يقول أكرمهم بها و فضلهم على من سواهم، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.


ثم ذكر أصحاب الميمنة، و هم المؤمنون حقا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، و روح القوة، و روح الشهوة، و روح البدن، فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات» .


فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذه الحالات؟فقال: «أما أولاهن، فهو كما قال الله عز و جل: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ لِكَيْ لاََ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً (3) فهذا ينتقص منه جميع الأرواح، و ليس بالذي يخرج من دين الله، لأن الفاعل به رده إلى أرذل العمر، فهو لا يعرف للصلاة وقتا، و لا يستطيع التهجد بالليل و لا بالنهار، و[لا]القيام في الصف مع الناس، فهذا نقصان من روح الإيمان، و ليس يضره شيئا، و منهم من ينتقص منه روح القوة، فلا يستطيع جهاد عدوه، و لا يستطيع طلب المعيشة، و منهم من ينتقص منه روح الشهوة، فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها و لم يقم، و تبقى روح البدن فيه، فهو يدب و يدرج حتى يأتيه ملك الموت، فهذا الحال خير، لأن الله عز و جل هو الفاعل به. و قد تأتي عليه حالات في قوته و شبابه فيهم بالخطيئة، فتشجعه روح القوة، و تزين له روح الشهوة، و تقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة، فإذا لامسها نقص من الإيمان، و تفصى‏ (4) منه، فليس يعود فيه حتى يتوب، فإذا تاب تاب الله عليه، فإن عاد أدخله الله نار جهنم.


فأما أصحاب المشئمة، فمنهم‏ (5) اليهود و النصارى، يقول الله عز و جل: اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمْ (6) يعرفون محمدا و الولاية في التوراة و الإنجيل، كما يعرفون أبناءهم في منازلهم‏ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ* `اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ (7) فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (8) ، فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم الله بذلك، فسلبهم روح الإيمان، و أسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوة، و روح الشهوة، و روح البدن، ثم أضافهم إلى الأنعام، فقال: إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ (9) لأن الدابة إنما تحمل بروح القوة و تعتلف بروح


____________

(1) البقرة 2: 253.

(2) المجادلة 58: 22.

(3) النحل 16: 70.

(4) تفصّى من الشي‏ء: تخلص. «لسان العرب 15: 156» .

(5) في المصدر: فهم.

(6) البقرة 2: 146.

(7) في المصدر زيادة: أنك الرسول إليهم.

(8) البقرة 2: 146، 147.

(9) الفرقان 25: 44.

التالي الأصلية 254داخلي 243/879 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...